حين ينحني المتعلم

حين ينحني المتعلم
ثَمَّ أناسٌ لا ندرك أثرهم فينا إلا بعد أن نبتعد عنهم ،نمضي عنهم ونحن نظن أننا حملنا العلم وحده، ثم نكتشف بعد أعوام أننا حملنا معهم شيئاً من أخلاقهم، ونظراتهم، وكلماتهم، وحتى طريقة رؤيتهم للحياة. فمن هؤلاء الذين يسكنون فينا بعد أن غادروا مجالسنا، وينحني لهم أصحاب العلم والرقي إجلالاً واحتراماً؟
إنهم المعلمون ،الذين لا يملؤون صفحات الكتب في ذاكرة طلابهم فحسب، بل يتركون في نفوسهم أثراً لا تمحوه السنوات ،فكلمةٌ منهم قد تصنع ثقة، ونصيحةٌ قد تغير طريقاً، وموقفٌ قد يبقى في ذاكرة الطالب عمراً كاملاً.
ولعل أبلغ صورة لأدب المتعلم أن نتأمل موقف نبي الله موسى—عليه السلام—حين قصد الخضر، فلم يتقدم إليه متعالياً بعلمه، بل قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾؛ ففي هذه الكلمات درسٌ في التواضع قبل أن يكون درساً في طلب العلم.
ولذلك لم يكن توقير أهل العلم أمراً هامشياً في أخلاق المسلمين ،قال رسول الله—صلى الله عليه وسلم—: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
فالتوقير خُلُقٌ يرفع من قدر الإنسان، ويجعل طلب العلم قائماً على الأدب قبل المعرفة. وما قيمة العلم إذا أورث صاحبَها كِبْراً؟! وما نفع المعرفة إذا جعلت صاحبها يرى نفسه فوق مَن علَّمه؟! إن أول ما يتعلمه طالب العلم حقاً هو أن العلم يزيد صاحبه تواضعاً كلما ازداد منه، فالتلميذ تلميذٌ ما دام المعلم على منبره.
فإذا كان المعلم يزرع في عقولنا المعرفة، فإنه يزرع في أرواحنا شيئاً أَبقى أثراً، لا تناله يد النسيان.
ولعل أعظم ما يتركه الإنسان ليس مجرد كتاب يُطوى ولا اسم يُكتب، بل إنسانٌ تغير لأنه مرَّ في حياته؛ فكم من معلم غاب عن الأعين، وكم من كلمة قالها عابراً ظلّت في قلب أحدهم عمراً كاملاً! إنما تلك هي الآثار الخفية التي لا تُرى، ولكنها تصنع الإنسان من حيث لا نشعر.
ولهذا، حين ينحني المتعلم، فإنما ينحني أمام أثرٍ صَنَعَ منه شيئاً لم يكنه من قبل.
وامتثالاً لما أقول ،أتقدم بوافر الشكر، وعظيم الامتنان، وجزيل التقدير لمعلماتي الفاضلات، اللاتي غمرنني بفضلهنَّ، وتعهّدنني بالتعليم والتربية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية؛ فكنَّ لي خير منارٍ يُستضاء به في دروب العلم والمعرفة، وجزاهنَّ الله عني خير الجزاء.
عائشة وليد عبد المولى
