التعبير الابتكاري لدى الأطفال

التعبير الابتكاري لدى الأطفال
ودوره في بناء الشخصية وتنمية المهارات
بقلم الكاتبة/ جوهرة ال صالح
يُعدّ التعبير الابتكاري لدى الأطفال من أهم المجالات التي تسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية قدراته بصورة متكاملة؛ فالطفل بطبيعته يمتلك عالمًا غنيًا بالأفكار والمشاعر والتصورات، ويحتاج إلى بيئة آمنة تمنحه الفرصة للتعبير عنها بحرية ودون خوف من الخطأ أو النقد. ومن هنا تأتي أهمية التعبير الابتكاري بوصفه مساحة رحبة يكتشف فيها الطفل ذاته، ويحوّل أفكاره ومشاعره إلى صور وأشكال وكلمات وحركات وأعمال إبداعية تعكس عالمه الداخلي ولا يقتصر التعبير الابتكاري على الرسم والتلوين أو الأعمال الفنية، وإنما يشمل كل ما يتيح للطفل أن ينتج فكرة أو حلاً أو أسلوبًا من ابتكاره، كالتعبير بالكلمة والقصة، والتمثيل والحركة، والتشكيل، والموسيقى، واللعب الإبداعي، وتصميم الحلول للمواقف والمشكلات التي تواجهه. ولذلك فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتنمية التفكير والخيال والقدرة على الملاحظة والتجريب واكتشاف البدائل
التعبير الابتكاري وبناء شخصية الطفل
يساعد التعبير الابتكاري الطفل على اكتشاف قدراته والشعور بقيمة ما يستطيع إنجازه، فعندما يُمنح الطفل فرصة للتعبير عن أفكاره بطريقته الخاصة، يشعر بأن صوته مسموع وأن أفكاره ذات قيمة. وهذا الشعور يعزز ثقته بنفسه ويشجعه على المبادرة والمشاركة والتفاعل مع الآخرين كما أن الطفل الذي يتعلم التعبير عن رأيه ومشاعره وأفكاره بطريقة إيجابية يصبح أكثر قدرة على التواصل، وأكثر استعدادًا لخوض التجارب الجديدة، وتقبّل الاختلاف، وتحمل مسؤولية اختياراته. ومع تكرار هذه الخبرات تتكون لديه شخصية أكثر استقلالية ومرونة وقدرة على مواجهة المواقف المختلفة
دوره في النمو النفسي والاجتماعي
يمثل التعبير الابتكاري وسيلة مهمة لمساعدة الطفل على فهم مشاعره والتعبير عنها. فالطفل قد لا يمتلك دائمًا الكلمات الكافية لوصف ما يشعر به، لكنه يستطيع أحيانًا أن يعبر عن مشاعره من خلال رسم أو قصة أو حركة أو موقف تمثيلي وعندما يجد الطفل من يستمع إلى إنتاجه ويحترم أفكاره، يتولد لديه شعور بالأمان والانتماء، ويصبح أكثر قدرة على التواصل مع الآخرين. كما تسهم الأنشطة الابتكارية الجماعية في تعويده على التعاون والمشاركة واحترام أفكار زملائه، وتعلمه أن الاختلاف في الأفكار يمكن أن يكون مصدرًا للإثراء وليس سببًا للخلاف
التعبير الابتكاري وتنمية التفكير
من أهم فوائد التعبير الابتكاري أنه ينقل الطفل من مرحلة تلقي المعلومات إلى مرحلة إنتاج الأفكار. فالطفل لا يكتفي بأن يعرف الإجابة، وإنما يتعلم أن يسأل ويجرب ويقترح ويبحث عن أكثر من طريقة للوصول إلى الحل وهنا يظهر دوره في تنمية التفكير الإبداعي؛ إذ يتدرب الطفل على الطلاقة في إنتاج الأفكار، والمرونة في الانتقال من فكرة إلى أخرى، والأصالة في تقديم أفكار جديدة، إضافة إلى قدرته على التعديل والتجريب واكتشاف ما يناسبه وهذه المهارات لا تفيده في الأنشطة الفنية وحدها، بل تمتد آثارها إلى التعلم وحل المشكلات والمواقف اليومية المختلفة
دور الأسرة والروضة في دعم التعبير الابتكاري
يحتاج التعبير الابتكاري إلى بيئة تشجع الطفل ولا تفرض عليه نموذجًا واحدًا للإبداع. فالأسرة والروضة شريكان أساسيان في توفير هذه البيئة من خلال الاستماع للطفل، واحترام أفكاره، وتشجيعه على طرح الأسئلة، ومنحه الوقت والمساحة للتجربة كما ينبغي أن يتجنب الكبار الحكم السريع على إنتاج الطفل أو مقارنته بغيره، فالقيمة الحقيقية ليست دائمًا في النتيجة النهائية، وإنما في الفكرة والمحاولة والخبرة التي اكتسبها الطفل أثناء العمل ومن المهم كذلك أن تقدم المعلمة أنشطة مفتوحة النهاية، تسمح بأكثر من إجابة وأكثر من طريقة للتنفيذ، مثل: “ماذا يمكن أن نصنع؟”، “كيف نستطيع أن نحل هذه المشكلة؟”، “ماذا تتوقع أن يحدث؟”، أو “لو كنت مكان الشخصية، ماذا ستفعل؟”. فمثل هذه الأسئلة تفتح المجال أمام الطفل للتفكير والتخيل والتعبير
التعبير الابتكاري وانطلاق الطفل
كلما وجد الطفل بيئة تشجعه على التعبير، أصبح أكثر انطلاقًا في الحديث والمشاركة والتفاعل. وهذا الانطلاق لا يعني الجرأة فقط، بل يعني قدرة الطفل على استخدام إمكاناته العقلية واللغوية والحركية والاجتماعية بصورة أكثر حرية ومن هنا يمكن القول إن التعبير الابتكاري يمثل جسرًا بين ما يفكر فيه الطفل وما يستطيع أن يقدمه للآخرين؛ فهو يساعده على الانتقال من الفكرة إلى التعبير، ومن التعبير إلى التفاعل، ومن التفاعل إلى التعلم والنمو
خاتمة
إن الاهتمام بالتعبير الابتكاري لدى الأطفال هو اهتمام ببناء الإنسان منذ سنواته الأولى. فالطفل الذي يُمنح فرصة ليعبّر ويبتكر ويجرب، يتعلم أن أفكاره لها قيمة، وأن الخطأ يمكن أن يكون بداية للتعلم، وأن الاختلاف يمكن أن يقود إلى أفكار جديدة ولذلك فإن مسؤولية الأسرة والروضة لا تتمثل في تعليم الطفل ماذا يفكر فقط، بل في مساعدته على أن يتعلم كيف يفكر، وكيف يعبر، وكيف يبتكر، وكيف يثق بقدرته على صناعة أفكاره الخاصة
فالتعبير الابتكاري ليس نشاطًا هامشيًا في حياة الطفل، وإنما هو أحد المداخل المهمة لبناء شخصية واثقة، متوازنة، اجتماعية، قادرة على التواصل والتفكير وحل المشكلات، ومهيأة للنمو والتعلم بصورة أكثر فاعلية
كاتبة ومؤلفة


