كُتاب الرأي

السريحي موسيقار الكلمة

السريحي موسيقار الكلمة

محمد الفريدي

يزدحم العالم بالكلمات والصور والكتّاب، ولكن تظل بعض الأسماء صامدة، وصدى أصواتها لا يتراجع أمام أقوى الرياح العاتية، ولا تتخلى عن مبادئها رغم الضغوط والقيود والموت والرحيل.

من هؤلاء العازفين على أوتار قلوبنا والكلمة والكتابة، الراحل الأديب الكبير الدكتور سعيد السريحي رحمه الله، الذي جعل من تجربته الكتابية تجربة حياة، ومن كلمته سلاحا، ومن قلمه آلة موسيقية ومرآة تعكس حقيقتنا بصلابة لا تخشى العقبات ولا التحديات.

فلم يكن مجرد أديب في سجل أدباء هذا الزمان، بل كان له حضور في ساحتنا الثقافية لا ينكره من يعرف الأدباء. وإن غادرنا، فقد تجاوزنا معه حدود نصوصه لنصبح أمام تجربة فكرية وثقافية حيّة ومستقلة لا تُنسى.

لم يكتب يوما من أجل الإعجابات ولا الشهرة، بل من أجل إيقاظ ضمائرنا وتحريك أسئلتنا التي كثيرا ما كنّا نهملها، وإعادة وصل فكرنا بالممارسة والتطبيق، والكلمة بالمسؤولية، والإنسان بذاته وقضاياه الكبرى.

لذلك ظلت كلماته شاهدة على أن الكلمة مسؤولية تتجاوز حدود الورق، وتمتد إلى عمق وعينا، وتترك فينا أثرا لا يزول، وتبقى في ذاكرتنا مصباحا يوقظنا كلما خبا وهجنا أو غابت بصيرتنا، فتدفعنا إلى إعادة النظر في مسلماتنا، وإلى إعادة ترتيب علاقتنا بالكلمة والوطن والإنسان.

في نصوصه نجد التزاما بالكلمة، واحتراما للغة، وإيمانا عميقا بأن الأدب مسؤولية قبل أن يكون متعة، وأن الصدق مع القارئ والمجتمع أسمى من كل الشعارات والبهرجة، وأن الكتابة حين تبنى على هذا الوعي تتحول إلى أثر باق يرافقنا ويعيد تشكيلنا بهدوء.

ولد اديبنا السريحي في جدة بحي الرويس، وربما لا يفهم من يقرأ سيرته أن الارض التي ولد فيها لم تكن مجرد مساحة جغرافية بالنسبة له، بل كانت مدرسة شكلت وعيه، وطبعت إحساسه بالانتماء والعدالة والانصاف، وصقلت تجاربه المبكرة، ووضعته امام تحديات الحياة.

وهذه التحديات اسهمت لاحقا في تكوين ملامح تجربته الادبية والانسانية، ومنحته رؤية اعمق للكتابة بوصفها امتدادا للوعي والمعاناة.

وجعلته يرى ان للحرية معنى يتجاوز حدود الرغبات الفردية، وان الكلمة حين تقال بصدق تصبح مسؤولية كاملة تجاه الوطن والذات والآخرين.

كان دائما واضحا رحمه الله، لا مكان عنده للمجاملات الفارغة ولا لصوت يختبئ خلف المظاهر الكاذبة، فحرية الكلمة عنده ليست من الكماليات التي يمكن التهاون بها، بل شرط لوجوده بيننا وطريقة بقائه حيا في مجتمع يحاول أحيانا فرض الصمت عليه وتقييد مساحات الفكر والتعبير.

وهذه الحرية، التي دافع عنها بلا تردد، لم تكن مجرد شعور بالتحرر، بل كانت قدرة على مواجهة التحديات وتحمل المسؤولية كاملة، دون التنازل عن مبادئه، أو الانصياع للتبريرات غير المقنعة، أو السعي وراء مدائح الآخرين.

بل كانت موقفا ثابتا جعله أكثر التزاما بما يؤمن به، وأشد ارتباطا بالكلمة حين تكون امتدادا للصدق لا للمجاملات.

كتاباته تجمع بين العمق اللغوي والرصانة الفكرية، وبين صراحته التي تجرحنا أحيانا وهدوءه الذي يستقر في أنفسنا، فهو لم يكن من النوع الذي يسعى لإبهارنا بالتكلف اللغوي، بل كان يكتب لنا نصوصا من ذاكرته تترك فينا أثرا طويلا، وتثير تفكيرنا وتعيد تشكيل وعينا من جديد.

وسواء كتب بالفصحى أو تكلم بلغة أقرب إلى لغتنا اليومية، كانت كلماته دائما محكمة البناء، واضحة، متينة، وتحمل في طياتها ثقل تجربته الإنسانية وصدق مواقفه النبيلة.

فبقيت شاهدة على قدرة كلمته الصادقة على تجاوز الشكل الظاهري إلى جوهرنا، والتأثير في وعينا قبل إعجابنا بها، وغدت علامة فارقة في مسيرته.

ودليلا على أن الكلمة حين تخرج من عمق التجربة لا تُقرأ بوصفها نصا لا يستقر طويلا في الذاكرة، بل تشعر بأنها امتدادٌ لوجدان موسيقارنا الذي تركنا ورحل.

لم يكن السريحي بعيدا عن واقعنا، بل شارك فيه بوعي كامل؛ فمقالاته ونصوصه الأدبية كانت امتدادا لفكره المنطقي ومواقفه الأخلاقية، ولم يكتب ليرضي أحدا، بل ليحرك من لا يتحرّك ويوقظ من لا يريد الاستيقاظ.

وليضعنا أمام حقيقتنا التي قد تكون مزعجة لنا لكنها كانت ضرورية، وقد دفع ثمن صدقه معنا أكثر من مرة، إذ إن صراحته كانت غالبا ما ترى على أنها تهديد لمن يهيمنون على النفوذ الثقافي والإعلامي في ذلك الوقت، أو لمن يريدون تشكيل واقعنا وفقا لمصالحهم الضيقة.

ولعل في مسيرته الطويلة عبر الأدب السعودي درسا لنا في الشجاعة والوفاء للكلمة؛ فهو لم يتراجع حين كانت الكلمة مكلفة، ولم يبحث عن مناطق رمادية آمنة، بل ظل يكتب بصدق تام مع ذاته ومع مجتمعه، متجاوزا حسابات التكلفة والمكاسب الشخصية.

لأن الأديب المبدع الذي يستحق التصفيق عنده لا يقاس بعدد مقالاته وكتبه المنشورة، بل بصدق ما يقدمه من رؤى واضحة، وعمق ما يزرعه من فكر في قرائه ومجتمعه، وبالأثر الذي يتركه في وعيهم، لا بما يحققه من شهرة وبريق سريع الزوال.

ترك لنا رحمه الله إرثا لا يزول؛ إرثا لا يختصره مجرد تعداد كتبه ومقالاته وأفكاره المنشورة، بل يظهر في الأثر الذي خلفته كلماته العميقة والعفوية في عقول الناس.

لقد تعلمنا منه أن الأدب لا يكون حيّا إلا إذا تجاوز حدود التنظير، وتحدى المستحيل، وسعى إلى قراءة الحياة والناس بمسؤولية، وظل قادرا على ملامسة الإنسان في أعمق تجاربه وأصدق مشاعره، فالكلمة الحقيقية عنده لا تنفصل عن وعينا ولا عن تجاربنا الإنسانية.

وشكّل مساحة يلتقي فيها الجمال بالجدية، والمواقف بالوعي والندية، والحساسية بالصلابة الفكرية، وكان مزيجا نادرا في عالم الثقافة الذي يفتقر أحيانا إلى الأصوات الوطنية الواضحة والقوية.

رحيله لم يكن مجرد فقدان جسد، بل فقدان صوت نادر؛ صوت يرتفع فوق ضجيج المظاهر، ويعرف كيف يجعل الكلمة معيارا لا مجرد صدى، ويترك في الوعي أثرا لا يُمحى، كأنه يقول لنا إن الكلمة حين تصدق، تبقى أطول من أصحابها.

ولم تغب كلماته مع رحيله، بل بقيت شاهدة على مرحلة ثقافية لم يساوم فيها على مبادئه، وعلى أديب يرفض الركون إلى السهولة ويتمسّك بالمواقف الصادقة الصعبة في كل حين.

حتى حين بدا الصمت أكثر سلامة وأقل كلفة وأكثر أمانا لمن يخشون مواجهة الحقيقة، اختار أن يكون صوته حيث يجب أن يكون، لا حيث يكون الثمن أقل، فظل وفيا لقيمه لا يساوم عليها، وجعل كلمته تقف صامدة لا تنحني أمام الضغوط.

إن إرثه يمثل دعوة مستمرة لكل من يسعى إلى معرفة الأدب السعودي الحقيقي: أن يكون الشاهد لا المطبل، وأن يختار الحقيقة لا المهادنة، وأن يضع الكلمة الصادقة فوق كل اعتبار ضيق، وأن يرى في الحرية والوعي أساسا للوجود والإبداع والكينونة.

لا يزال حيّا في نصوصه، وفي معايير الكلمة الصادقة التي تركها خلفه، لتكون مرجعا لكل من يريد أن يعرف صوت الأديب السعودي الذي خدم الثقافة والوطن دون أن يسعى إلى التكريم، وأحدث تأثيرا في مجتمع كان بعض أفراده يحاولون بجهلهم طمس حقيقته وحقائق الآخرين.

كانت أقواله إشعاعا يثري نصوصه ويحفز القارئ على النقد والتفكير، فقد قال في أحد مقالاته: (الحرية ليست بطاقات تمنح، بل مواقف تختار، ومسافات تقطع في صمت وثبات، وهي مسؤولية لا تحتمل إلا من قبل أصحابها، ولا يدافع عنها إلا أولئك الذين يكرهون الذل أكثر من الموت).

وفي نقاشه حول العلاقة بين الأدب والمجتمع، لم يتردد في القول: (إن الأدب الحقيقي لا يُكتب من أجل أن يبقى الأديب محبوبا، بل من أجل الوقوف في وجه من يُحاول أن يسوق لنا صورة مزيفة عن أنفسنا؛ فحين يكون الأدب ممتعا ومسليا فقط، يفقد جزءا كبيرا من وظيفته الأخلاقية والوطنية).

وقد راح يكرر في أكثر من موقف شعوره بأن الكتابة فعل مقاومة، إذ يقول: (حين تكتب فأنت تقاتل كل رغبات التراجع وكل ما يدفعك إلى التساهل، فالكتابة صراع مع الذات، ومع الوقت، ومع الثقافات التي تجمدنا في قوالب ثابتة).

ويقول في أحد حواراته: (ليست الحرية أن تفعل ما تريد بلا قيود، بل أن تدرك ما يجب عليك أن تفعله رغم القيود؛ والحرية أن تتعلم كيف تسيطر على نفسك لا كيف تتحرر منها).

وهنا يتضح أنه لا يرى الحرية انفلاتا أو فوضى، بل إدراكا عميقا للمسؤولية والوطنية والإنسانية، وأن النص القويم هو الذي ينفذ إلى ما وراء حدود الذات والمجتمع في آن واحد، ليطرح أسئلة تتجاوز المألوف وتحرك العقل نحو إدراك أعمق.

ففي نصوصه نجد الكلمة تُطرق كما يُطرق الحديد، وإيقاعها ليس للزينة بل للترسيخ والتذكير، أما في نصوصه الأدبية الأخرى فنجد أديبا واعيا بثقل اللغة، يقترب منها بيقظة العارفين لا بسطحية السطحيين.

ومن أقواله التي لا تُنسى: (إن الثقافة ليست لتسلية الصغار والكبار، بل هي فرصة لنكون أكثر إنسانية، ومن يفقد ثقافته لا يفقد مجرد معلومات، بل يفقد قدرته على التفكير، وقدرته على الرفض والقبول، وقدرته على الحلم).

وفي وداعه الأخير بدا المشهد لي كأنه مقال أخير: وجوهٌ تعرف معنى الوقوف بشدّة أمام أسئلته وكلماته، وعقول تبكي ما فقدته من صوت حقيقي في فضاء الثقافة.

وكأن غيابه لم يكن رحيل جسد بقدر ما كان غياب قنديل كان يضيء وعينا ويحرّك سكوننا، ويترك فينا أثرا لا يخبو مع مرور الوقت والأيام.

وذاكرة جماعية تودع واحدا من أهم أبنائها الذين لم يغادروا الناس يوما، ولم يتخلوا عن مسؤوليتهم تجاه الفكر والوطن والحياة، رغم أنه لم يكرم تكريمًا يليق به كمفكر وبما غرسه فينا من أثر.

لم تكن جنازته مجرد وداع لأديب، بل وداعا لمرحلة من الفكر السعودي الذي كان يعرف كيف يجمع بين المواقف والجمال، وبين الحِدّة والاتزان، وبين النقد والوفاء للحقيقة والوطن.

لقد غاب جسده، لكن كلمته بقيت، لأن الكلمة التي تخرج من تجربة كتجربته لا تعرف الأفول، بل تعرف كيف تُورَّث، وكيف تبقى معيارا صلبا وشاهدا على عصر فقد صوته، وتظل تذكرنا بأن الأثر الحقيقي لا يزول برحيل أصحابه، بل يبدأ حضوره من لحظة الغياب.

رحل جسده، وبقي فكره، وبقيت نغمات موسيقاه، وبقيت حارته، حارة الرويس، التي شكّلت تجربته الأولى في ذاكرتنا، شاهدة على أن أديبنا الراحل لم يمت، وأن الأسماء الحقيقية تبقى حاضرة على الدوام، حتى وإن أزاحها الرحيل بالموت أو التهميش.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫4 تعليقات

  1. شكراً لكم أيها الأوفياء رأيت سعيداً حياً يرزق من خلال كلماتكم..
    وكذبت عيني التي تبكيه وقلبي الذي ينفطر لفراقه..
    # عائشة

    1. الأستاذة عائشة حفظها الله .
      شكرا لكِ على هذا الشعور الصادق الذي لامسنا جميعا.
      نعم، يبقى الإنسان حيّا بما يتركه من أثر، وبما يزرعه في قلوب من عرفوه وتأثروا به، والدكتور سعيد – رحمه الله – من أولئك الذين لا يغيب حضورهم وإن غابوا.

      رحمه الله رحمة واسعة، وجبر قلوبكم، وجعل ذكراه نورا يرافقكم، وأثره ممتدا في كل من تعلّم منه أو سار على خطاه.
      أبو سلطان

  2. ردٌّ على مقال الأستاذ محمد الفريدي عن سعيد السريحي:

    لامست كلماتك – أستاذ محمد – شيئًا عميقًا في داخلي، ليس بوصفها قراءة في سيرة أديب، بل لأنها أعادتني إلى لحظة شخصية لا تُنسى مع الدكتور سعيد السريحي، رحمه الله، ذلك الإنسان الذي لم يكن مجرد اسم في المشهد الثقافي، بل كان في حياتي مربيًا ومرشدًا وصوتًا لا يزال صداه حاضرًا في وجداني.

    لقد كان أستاذي وموجهي في المرحلة الثانوية، وأستطيع أن أقول – بصدق لا مجاملة فيه – إنه الوحيد الذي ترك أثرًا حقيقيًا في تكويني الفكري والإنساني. لم تكن كلماته تمر مرور العابر، بل كانت تستقر، تُقلق، تُحفّز، وتعيد ترتيب أشياء كثيرة في داخلي. كان يعلّمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر، وهذه ميزة لا يملكها إلا القلّة.

    وأحمد الله أنني حظيت بجلسة خاصة معه، ربما كانت من آخر جلساته، وكانت بالنسبة لي لحظة فارقة بكل ما تعنيه الكلمة. جلسنا لساعات طويلة في حوار عميق، تخلله عصف ذهني تاريخي وثقافي، تجاوز حدود المجاملة إلى مساحة الصدق الكامل. كنا نرسم ملامح مشروع كتاب كنت أنوي أن يكون هو مرشدي فيه، لا كمشرف تقليدي، بل كعقل يصنع الفارق ويوجه البوصلة. لكن القدر كان له كلمته، فحال دون أن يكتمل ذلك الحلم.

    ومع ذلك، بقي الأثر.

    بقيت كلماته حيّة في داخلي، كما وصفتها أنت بدقة: ليست كلمات للزينة، بل مسؤولية تُحمل، وأمانة تُؤدى. كان – رحمه الله – يعيش الكلمة قبل أن يكتبها، ويقف خلفها قبل أن يطالب غيره بها، لذلك لم تكن كتاباته نصوصًا تُقرأ، بل تجارب تُعاش.

    ما كتبته عنه أعاد التذكير بأننا لم نفقد مجرد أديب، بل فقدنا مدرسة متكاملة في الصدق، والجرأة، والوعي. رجل كان يرى أن الكلمة موقف، وأن الحرية مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا خيانة للفكر.

    رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عنا وعن كل من تتلمذ على فكره خير الجزاء.

    وسيظل – كما قلت – حيًا فينا، ما دمنا نُعيد قراءة أنفسنا على ضوء كلماته.

    بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
    4 مايو 2026

    1. شكرا على هذا التعليق العميق، مهندسنا العزيز صالح المرزم، والذي يُعد شهادة حيّة تمنح المقال بعدا إنسانيا.
      ما ذكرته أستاذنا عن تجربتك مع الدكتور سعيد السريحي – رحمه الله – يكشف جانبا لا تلتقطه الكاميرات والأقلام، ولا يظهر إلا من خلال من عاشوا الأثر مباشرة.

      واستوقفني حديثك عن أنه كان يعلّمكم كيف تفكرون لا ماذا تفكرون، وهذه وحدها تختصر قيمة المربي الحقيقي، كما أن استحضارك لتلك الجلسة الأخيرة بما حملته من عمق وتخطيط وأمل يعكس حجم العلاقة التي تجاوزت حدود التعليم إلى التأثير الحقيقي.

      مثل هذه الشهادات هي التي تُنصف الرموز، لأنها تنقلهم من إطار السيرة إلى مساحة الأثر الحي في الناس، وهذا ما نجحت في تقديمه بصدق واضح.

      رحم الله الدكتور سعيد السريحي، وجعل ما تركه من علم وأثر في موازين حسناته، وشكرا لك على هذه الإضافة التي أضافت قيمة إلى الموضوع وأكملت صورته.
      أبو سلطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى