كُتاب الرأي

جيل بلا خط دفاع

جيل بلا خط دفاع

محمد الفريدي

لم يعد سرّا أن يلجأ بعضُ العاملين في مجال الإعلام إلى ما يُعرف بـ(التسريبات)، سواء عبر منصات معادية، أو جهات معارضة، أو حتى حسابات مجهولة على شبكات التواصل، لتوجيهنا نحو فكرة معينة أو سياسة محددة.

وعلى الرغم من أن التسريبات في أصلها قد تبدو وسيلة لكشف الحقيقة، إلا أنها في كثير من الحالات تتحول إلى أداة للتلاعب بالرأي العام، وتصوير الوقائع بما يخدم أجندات بعيدة عن الدقة والموضوعية.

فكيف تُستخدم التسريبات كأداة للتأثير، وكيف يمكن استغلالها لصياغة صورة ذهنية مشوّهة في أذهاننا؟ وما هي الأمثلة الواقعية التي تُظهر دورها في تشكيل آرائنا، سواء في السياق السياسي أو الشخصي أو الاقتصادي؟

التسريبات هي معلومات أو وثائق تُنشر لنا أو للصحافة عبر مصادر غير رسمية، وغالبا من دون تصريح من الجهات المعنية، وقد تكون هذه التسريبات على شكل وثائق مكتوبة، أو ملفات صوتية، أو رسائل إلكترونية، أو تسجيلات خاصة.

وفي بعض الأحيان، تكون الغاية منها نبيلة، كأن يُكشف عن فساد مالي، أو إساءة استخدام للسلطة، أو انتهاك لحقوق الإنسان، لكن ما نتعرّض له اليوم هو استخدام تلك التسريبات كأداة خطيرة تؤثر في مجتمعنا بأكمله.

وأحيانا يكون الهدف تشويهَ سمعةِ ولاةِ الأمر، وإرباكَ الرأيِ العام في الأزمات المختلفة، سواء كانت إقليمية أو دولية أو محلية، أو في أوقات الحروب، وزرعَ معلومات مختلقة أو مجتزأة لخلقِ حقائقَ بديلة، وإغراقنا بضجيج مفتعل يحجبُ عنا رؤيةَ الحقائق كما هي ويُربكُ البوصلة.

وأكثر ما يجعل هذه التسريبات تؤثر فينا هو توقيتها وطريقة تداولها؛ فكثيرٌ منا يميل إلى تصديق أول ما يسمع، خصوصا إذا بدت المعلومة موثوقة أو قُدِّمت بأسلوب مثير وصادم ومميز، وعن شخصيات معروفة.

واليوم تنتشر التسريبات بسرعة الصاروخ بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسمح بانتشارها خلال دقائق قبل التحقق منها، وغالبا ما تُقدَّم هذه التسريبات بطريقة تربط المعلومات المسربة بمشاعرنا — خوف، وغضب، وشك — ما يجعل الاستجابة لها أسرع وأكثر قابلية للتصديق، ويحوّلها إلى أداة لتشكيل رأينا قبل معرفة الحقيقة.

قضيةُ جيفري إبستين وجزيرتهِ المشبوهة ومرتاديها من أبرز الأمثلة التي تُظهر كيف يمكن للتسريبات أن تُثير ضجة عالمية دون تحقيق قضائي مُعلن؛ ففي عام 2019، ظهرت تسريباتٌ واسعة حول الاتهامات الموجّهة إليه بجرائم استغلال واغتصاب قُصّر، ونُشرت تقاريرٌ عن جزيرته وطائراته الخاصة التي استُخدمت لنقل ضحاياه.

وفبركاتُ مواقع متصهينة لما يُزعم عن علاقة أبيستين بولي العهد استُخدمت كأداة لتشويه سمعته فقط، ولم تهدف إلى كشف الحقيقة بقدر ما هدفت إلى زرع الشك والتشويش في أذهان شبابنا، وإثارة الفُرقة عبر نشر صورة يُقال إنها تجمعه به في الرياض، وهي مزاعمُ كاذبةٌ عن شخصية نثق بها ونحترمها.

وتحويل هذه التسريبات أصبح وسيلة لنشر مواد إعلامية قابلة للتفسير المضلِّل، والهدف منها بالطبع هو تقويض الثقة في مؤسساتنا وقادتنا، وخلق حالة من الحيرة والشك في مجتمعنا.

ولم تأتِ من وسائل إعلام معروفة، بل من منصات غير موثوقة أو ذات توجهات سياسية، وأحدثت صدمة في الرأي العام العالمي، وأثارت جدلا واسعا حول علاقات إبستين بشخصيات سياسية واقتصادية بارزة في مختلف أنحاء العالم.

والغريب أن هذه التسريبات المنتشرة لم تكن موثَّقة بالكامل عند بداية انتشارها، ولا تزال كذلك حتى اليوم، لكن قوتها كانت كافية لتشكيل صورة ذهنية لدى الناس عن شخصية إبستين ونمط حياته، حتى قبل انتهاء التحقيقات الرسمية.

ومثل هذه التسريبات غالبا ما تُستخدم لتشويه صورة شخصيات معينة أو تقويض مصداقيتهم، حتى قبل التحقق الكامل من صحتها.

وأحيانا لا يكون الهدف من التسريبات هو كشف الحقيقة، بقدر ما هو إعادة صياغة رواية عن حدث أو شخصية معينة، فتُستخدم الحقائق بانتقائية مع حذف السياق الكامل لتحقيق الهدف المطلوب، وهو ما يُعرف في علم الإعلام بـ(التسريبات الانتقائية).

فمثلا، قد يُسرَّب جزءٌ من رسالة إلكترونية أو تسجيل صوتي يُظهر مسؤولا يتحدث بشكل غير لائق، بينما تكشف النسخة الكاملة أن كلامه مُقتبسٌ من سياق مختلف تماما؛ والجزء المُسرَّب وحده، إذا انتشر، يُلحق الضرر بسمعته ويُشكِّل انطباعا مضللا لدى الشباب، قد يستمر حتى بعد ظهور الحقيقة.

وتنجح التسريبات لأنها تنتشر بسرعة كبيرة، وتُقدَّم إجابات جاهزة عن أسئلة معقّدة تجعل الشباب يقبلونها بسهولة، وتستهدف مشاعرهم وتدفعهم للتفاعل معها قبل أن يفكروا، إضافة إلى أن كثيرا منهم لا يمتلك أدوات التحقّق من المعلومات، مما يجعل التسريبات مؤثرة جدا حتى قبل التأكّد من صحتها.

وخطرُ التسريبات عليهم ليس فقط في انتشارها بينهم، بل في نتائجها بعيدة المدى؛ إذ يفقد الشباب الثقة في المؤسسات الرسمية وولاة الأمر، وتُجزَّأُ المجتمع على أساس معلومات غير مؤكدة، وتسيء إلى سمعة الأفراد والشخصيات والدولة، وتُربك السياساتَ العامة أو تؤثر عليها.

ولتعزيز مواجهة تأثير التسريبات، يجب غرس الوعي الإعلامي منذ الصغر في شبابنا، وتعليمهم كيفية التمييز بين المعلومات الصحيحة والمزيّفة وطرق صناعة التسريبات وأهدافها، وتشجيعهم على التحليل ليصبحوا قادرين على التفكير قبل تصديقها أو إعادة نشرها.

وتعليمهم الفرق بين الحقائق والتفسيرات والشائعات، لتقليل فرص التأثير السلبي عليهم، وتحفيزهم على المشاركة الإيجابية من خلال حملات تثقيفية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وتشجيعهم على التحقق مما يُنشر قبل قبوله أو إعادة تداوله ونشره.

ففي بعض الحالات، تؤدي التسريبات إلى إثارة النزاعات بين مكونات المجتمع، أو تخلق أزمات دبلوماسية، أو تدفع شبابنا إلى اتخاذ قرارات مصيرية كالالتحاق بالمحرضين في الخارج بناء على معلومات مغلوطة.

ولهذا، علينا مساعدتهم على التحقق من المصدر قبل تبنّي أي تسريب، والتأكّد من أن المعلومات المنشورة صادرة عن مصدر رسمي أو جهة مسؤولة يمكن الوثوق بها.

فالتسريبات التي تنشرها الحسابات المجهولة أو المواقع غير الموثوقة غالبا ما تكون غير دقيقة أو مختلقة، وتصب في تضليل شبابنا وزرع الشكوك بينهم وإضعاف ثقتهم بمؤسساتنا وقيادتهم.

والمعلومة، إذا نُشرت بدون سياقها الكامل، تصبح قابلة للتأويل، وتبدأ من هنا عملية التلاعب بعقول شبابنا؛ ولهذا، فإن التثقيف الإعلامي في المدارس وفي المجتمع يساعدهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمزيّفة.

وفهم كيفية صناعة التسريبات وتأثيرها عليهم، والإجابة على أسئلتهم المغلوطة بدلا من أن نتركهم يقبلون في غفلة منا كل ما يُنشر.

فليس من الخطأ أن تكون هناك تسريبات إذا كانت تسهم في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، لكن الخطأ يكمن في أن تُسخَّر هذه التسريبات للتلاعب بشبابنا.

وإعادة تشكيل الحقائق في عقولهم وفق أهداف خفية، وتوجيههم نحو معتقدات أو مواقف معينة، غالبا ما تكون ضد الحقيقة أو ضد الوطن.

فقد أصبحوا اليوم يتداولون المعلومات بسرعة، وهم بحاجة إلى وعي إعلامي يميّزون به بين ما هو حقيقي وما هو مُزيَّف، وبين ما هو معلومةٌ موثَّقة وما هو جزءٌ من رواية تُطرح بخبث لأهداف معينة.

والسلامة الإعلامية اليوم ليست زينة، بل ضرورة نضمن بها بقاء الحقيقة راسخة في أذهانهم، لا ضحايا في يد من يسعون للتحكم بعقولهم.

وإن كانت الحقيقة الأكثر قسوة هي أن كثيرا من شبابنا لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة أصلا، بل عن معلومات تؤكد قناعاتهم المسبقة، حتى وإن كانت مُلفَّقة.

وهنا تتحول التسريبات من مجرد أدوات إعلامية إلى أسلحة نفسية تُدار بها عقولهم وتُحسم بها مواقفهم، وتُعاد من خلالها صياغة وعيهم وفق ما يُراد أن يُصدَّق، لا وفق ما هو ثابتٌ ومُثبت.

والمشكلة لم تعد فيمن يُسرِّب فقط، بل فيمن يُروِّج للتسريبات بلا وعي من شبابنا، ويُحلِّل بلا معرفة، ويُصدر الأحكام كأنه شاهد على الحدث، مما يجعل مجتمعنا بيئة خصبة لأي رواية مضللة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدول تتقن لعبةَ التضليل التي يبدو أننا لم نتقنها بعد، فاغرقت ساحة شبابنا بسيل من التسريبات المتناقضة حتى ضاعوا فيها، وأصبحوا لا يعرفون أين الحقيقة، وانتهى الأمر ببعضهم بالشك في كل شيء.

وهي النتيجة التي يسعى إليها صانعو التسريبات: شبابٌ مشوش، فاقدٌ للثقة، سهلُ التوجيه والانقياد، يتلاعبون بعقولهم بسهولة ويتبنون أفكارا ومواقفَ لا تعكس الواقع والحقيقة.

والمعركة اليوم لم تعد على الأرض فقط، بل على عقول أبنائنا، ومن لا يمتلك أدوات الفهم والتحليل سيكون مجرد رقم في معادلة التأثير، لا صانعا لها.

ولهذا، فإن توعيتهم ليست خيارا ثانويا، بل هي خط الدفاع الأول في زمن تُصنع فيه الأكاذيب بإتقان وتُباع كحقائق بلا خجل.

وصمتنا اليوم أمام هذا العبث لا يعد حيادا، بل تواطؤا غير مباشر؛ فإما أن يكون شبابنا واعين يزنون ما يُعرض عليهم بميزان العقل والوعي، ويستطيعون تقييم المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها.

أو نتحول معهم تلقائيا إلى أدوات تُستَخدم ضد وعيهم ومجتمعهم ووطنهم، والفرق بين الحالتين ليس في المعرفة، بل في الإرادة على البحث عن الحقيقة والتأكد منها.

ومن يختار الصمت منا ومن شبابنا سيصبح ضحيةَ الأكاذيب والتسريبات غدا، ويجد نفسه عاجزا عن التفريق بين الواقع والوهم، ومحاصرا بين الروايات المُفبركة، وغير قادر على الدفاع عن وعيه ومصيره ووطنه وولاة أمره، ولا يستطيع الوقوف مستقبلا أمام سيل التسريبات التي لا ترحم.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى