كُتاب الرأي

لماذا نخاف من تغيير رأينا؟

لماذا نخاف من تغيير رأينا؟

فيصل مرعي الكثيري 

عنوان مقالي اليوم عبارة عن سؤال، وهو سؤال يظهر في لحظة هادئة، حين ينظر الإنسان إلى آرائه القديمة ويتساءل: هل ما زلت أؤمن بهذا فعلا؟
يبدو الأمر بسيطا في ظاهره.. أن فكرة تتبدل. لكن الذي يتحرك في الداخل أعمق من فكرة. الإنسان حين يغيّر رأيه يعيد ترتيب صورته أمام نفسه وأمام الناس. كأنه يقف أمام مرآة قديمة، ثم يلمح فيها ملامح لم ينتبه لها من قبل.
تأمّل رجلا دافع عن رأي سنوات ووقف به في المجالس، وكتب عنه وربما خاصم من أجله، ثم لاح له خلل فيه .. ماذا يفعل؟ إن تراجع … شعر أن مواقفه السابقة تنظر إليه باستغراب. وإن استمرّ .. بقي في منطقة يعرف في داخله أنها لم تعد تطمئنه. هنا يبدأ الخوف الحقيقي. ليس خوفا من الفكرة الجديدة، إنما من الأثر الذي ستتركه على صورته القديمة. ولهذا ترى كثيرا من الناس يتمسكون بآرائهم كما يتمسك الغريق بخشبة متآكلة. يعرف أنها لن توصله إلى اليابسة، لكنه يخاف السباحة في المجهول. في حياتنا اليومية أمثلة لا تنتهي. أب قضى عمره يظن أن القسوة تربي الأبناء، ثم اكتشف بعد سنوات أن أبناءه يخافونه أكثر مما يحبونه. يحتاج شجاعة كبيرة حتى يعترف لنفسه أن طريقته كانت مرهقة للجميع. ومعلّم بنى هيبته على الصرامة المطلقة، ثم أدرك متأخرا أن الطلاب يتعلمون من الاحترام أكثر مما يتعلّمون من الخوف. ومثقف عاش سنوات يهاجم فكرة معينة، ثم وجد نفسه يقترب منها بهدوء، فيتردد … لأن المشكلة لم تعد في الفكرة، أصبحت في جمهوره الذي اعتاد صورته الأولى.
الإنسان أحيانا لا يدافع عن رأيه، يدافع عن تاريخه مع هذا الرأي. لذلك مراجعة النفس من أصعب الأعمال. الإنسان يستطيع أن يراجع حساباته المالية بسهولة، ويستطيع أن يغير منزله او عمله، لكن مراجعة القناعات تمسّ منطقة حساسة في الداخل … لأنها تعني الاعتراف بأن النسخة السابقة منّا لم تكن ترى المشهد كاملا.
وهنا يظهر الفرق بين النضج والتصلب.
الناضج لا يرى تغيّر الرأي هزيمة، يراه نموا. يعرف أن العقل الحي يتحرك، وأن الفكرة التي لا تتعرّض للاختبار تتحوّل مع الوقت إلى عادة ذهنية أكثر من كونها قناعة حقيقية.
أما المتصلب، فيتعامل مع الرأي كما لو أنه نقش على حجر. يخشى السؤال، لأن السؤال قد يحرّك الجدار الذي احتمى به سنوات. ومن الغريب أن الناس يمتدحون الإنسان إذا غير منزله إلى الأفضل .. أو طوّر عمله .. أو أصلح أسلوب حياته .. ثم يستغربون حين يغير فكرة بعد تجربة ومعرفة وتأمل. كأن بعض العقول تقبل تطور الأشياء كلها، إلا العقل نفسه.
ولذلك نجد بعض البشر يعيشون أسرى أول فكرة قالوها، وأول موقف أعلنوه وأول انطباع كوّنوه، مع أن الحياة نفسها قائمة على التبدل. النهر لا يحتفظ بالماء ذاته، والإنسان لا يبقى بالشعور ذاته، والتجارب كل يوم تعيد تشكيلنا بصمت.
إن أخطر ما قد يفعله الإنسان بعقله أن يحوّله إلى متحف مغلق، تُمنع فيه المراجعة، ويُعامل فيه السؤال كأنه تهديد.
ولهذا يظل الإنسان في صراع خفي مع نفسه.. بين عقل يدعوه إلى المراجعة، ونفس تخشى الاعتراف. فالإنسان لا يتعب دائما من البحث عن الحقيقة، أحيانا يتعب من هدم الصورة التي عاش بها سنوات. ويبقى السؤال: كم فكرة نؤمن بها حقا… وكم فكرة اعتدنا الدفاع عنها فقط؟

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى