جيل السبابة والإبهام
محمد الفريدي
جيل السبابة والإبهام
لم أعد أشعر بالانتماء لهذا العصر، رغم أني أعيش فيه، وأتحرك بين منصاته، وأقرأ من شاشاته، وأتواصل من خلال أجهزته، لكن شيئا ما في الروح لا يزال معلقا بجيل كانت الحياة فيه تُفهم بطريقة مختلفة، وبداخله واقع مرير لا يشبهنا، ولا يشفق علينا.
ينتابني هذا الشعور كلما شرعتُ في محاكمة هذا الجيل الجديد، جيل التقنية، أو كما أحب أن أسميه “جيل السبابة والإبهام”، لأن كل شيء عنده يبدأ وينتهي بلمسة على الشاشة؛ جيل لا يطرق الأبواب أو يدخل معها، بل يمر من خلالها بنقرة زر، جيل لا يرفع صوته بالمناداة، بل يضغط فقط زر الإرسال، فيصل صوته للملايين.
جيلٌ يصنع من أطراف أصابعه عالمًا لا نراه، لكنه يتحكم في كل شيء نراه.
جيلٌ لا ينتظر العالم أن يفهمه، بل يعيد تشكيل العالم على مقاس فهمه.
لم يعد هناك عالم خارجي بالمعنى التقليدي القديم، لقد انتقل العالم الخارجي إلى داخلنا: إلى هواتفنا، إلى أجهزتنا، إلى خوارزمياتنا؛ فصرنا نحيا في واقع مُفلتر، نرى الحياة كما تشتهيها شاشاتنا، لا كما تحدث فعلا؛ نُصادق من نريد، ونُلغي من نشاء، ونكوّن ذواتنا لا من تجارب، بل من تفاعلات وخيارات مبرمجة.
كل شيء بات سريعا، وسهلا، ومتاحا، ولكن في المقابل، كل شيء أيضا أصبح هشا، وزائلا، وبلا جذور.
ورغم أني أحاول – مثل كثير من أبناء جيلي – أن أتأقلم، وأن أواكب، وأن أتعلم، إلا أنني كلما فعلت ذلك، أشعر وكأني أرتدي زيا تنكريا لا يشبه جلدي، ولا يشبه ملامحي، بل يُخفي حقيقتي خلف قناع من التكيّف القسري، كمن يرقص على إيقاع لا يسمعه، فقط كي لا يُتَّهَم بالجمود أو العجز عن اللحاق بهذا الجيل الذي لا ينتظر أحدا، ولا يلتفت لمن يتعثر، بل يمضي بسرعة البرق، مدفوعا بخوارزميات لا تعرف التوقف، ولا تعترف بالبطء كخيار بشري.
أعرف كيف أستخدم التقنية، ولكن لا أعيشها، وأُجيد استخدام المنصات، ولكن لا أنتمي إليها، وهذا – في تقديري – هو الفرق بين التعايش والانتماء.
فالتعايش أن تمسك بجهازك وتتعامل معه، أما الانتماء فهو أن ينبض قلبك بإيقاعه؛ وأنا قلبي لا يزال متعلقا بصوت الورق، برائحة الكتب، بحديث العيون لا بأحاديث الإيموجي، وبصمت اللحظة لا بصخب الإشعارات.
لقد أصبح واضحا اليوم أننا أمام صراع أجيال لا يشبه ما تعودنا عليه.
في الماضي، كنا نختلف مع من سبقونا، لكن ضمن نطاق مشترك من القيم، من مفاهيم الحياة، من حدود الواقع والأدب.
أما اليوم، فالاختلاف تجاوز المفاهيم إلى جذور الإدراك نفسه، إلى طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم وتعاملنا مع الحقيقة ومع من حولنا.
لم نعد نختلف في ماذا نؤمن، بل في كيف نؤمن، ولا في ماذا نرى، بل في كيف نرى.
فهذا الجيل لا يناقشك في المضمون، بل يتجاوزك إلى منصات أخرى، إلى زمن آخر، إلى منطق لا يخضع للعقل والذاكرة، ولا يعترف بثقل تجربتك القديمة.
عالمنا القديم يستند إلى التجربة المباشرة، إلى العلاقات الإنسانية الحية، إلى الزمن البطيء.
أما عالم جيل اليوم، فهو عالم السرعة، والتواصل الرقمي، والزمان الفوري، والعلاقات المؤقتة.
عالمٌ لا يمنح الأشياء وقتها، ولا يترك المشاعر تنضج، بل يستهلك كل شيء على عجل: يضحك سريعا، ويغضب سريعا، ويبكي سريعا، ويحب وينسى بأسرع من سرعة الصاروخ.
جيل لم يُولد بالطريقة التي وُلدنا بها، ولن يموت بالطريقة التي سنموت بها.
عالمه مختلف عن عالمنا، فهو يعيش بدماغ مبرمج على فهم رقمي بحت، حتى بات من المشروع أن نسأل:
هل لا يزال “العقل” يؤدي الدور نفسه في هذا العصر؟ أو هل نحن أمام بداية أفول دوره؟
إن ما يزيد من تعقيد هذا السؤال هو بروز الذكاء الاصطناعي بوصفه “عقلا بديلا لعقولنا”.
عقل قادر على معالجة البيانات، واتخاذ القرارات، حتى بات يكتب الشعر ويتأمل في الوجود!
فهل وصلنا إلى المرحلة التي تصبح فيها عقولنا البشرية مجرد أداة زائدة عن الحاجة؟
وإذا كان العقل هو ما ميّزنا عن سائر الكائنات، فماذا سيبقى لنا عندما يتفوق علينا عقل اصطناعي بلا مشاعر ولا روح؟
إن ما يثير قلقي ليس فقط قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير، بل في غيابه عن القيم.
نحن – رغم كل ما يُقال عن فشلنا الأخلاقي – لا نزال نحاكم أنفسنا، ونشعر بالذنب، ونخجل، ونبكي.
أما الذكاء الاصطناعي، فلا يملك هذه الميزات، فهو عقل مبرمج بلا شعور، وآلة صمّاء بلا ألم.
فهل يمكن لعقل كهذا أن يدير حياة البشرية بمعايير إنسانية؟
وهل سيبقى الإنسان مجرد مستخدم، أم سيتحوّل يوما ما إلى كائن رقمي مُدار؟
جيل اليوم نشأ في ظل هذه التحولات العميقة، ولم يعش العالم كما عرفناه.
لم يعرف طعم انتظار الرسائل البريدية لأسابيع وأشهر، ولا لذة اللقاءات العفوية، ولا سحر الأمسيات التي كان الحديث فيها يتدفّق من القلب لا من شاشات أجهزتنا الذكية، ويُختتم الحديث فيها بنظرة صامتة تفوق ألف رسالة نصية.
هذا الجيل وُلد وهو يحدّق في الشاشات، وتغذى على مقاطع الفيديو القصيرة، وتشكل وعيه في بيئة لا تُقدّس العقل ولا الذاكرة، بل تستهلك الحاضر كوجبة سريعة، ولذلك لا غرابة أن تتغير مفاهيم الصداقة، والهوية، والوطنية، والحب؛ فكل شيء قابل في هذا الجيل للتحميل، والإلغاء، والتحديث.
قد يقول قائل: كل جيل يرى في الجيل الذي يليه تهديدا، وهذا صحيح جزئيا،
ولكن الفرق هنا أن التحول لم يقتصر على الأفكار، بل امتد ليشمل طريقة الإدراك والتفاعل مع العالم من حولنا.
فلم يتغير مضمون الأفكار فقط، بل تغيرت الأدوات والمعايير التي نفهم بها الحياة،
وكأننا أمام جيل لا يواصل ما قبله، بل يعيد تعريف كل شيء من جذوره، وينفصل عن الواقع.
لم يعد الزمن يُفهم كما كنا نفهمه، ولم يعد الحب كما عشناه، ولم تعد المعاني كما نعرفها من قبل.
التقنية أعادت تشكيل مداركنا، وربما تعيد تشكيل إنسانيتنا نفسها، من يدري.
ولذلك أقول: لم أعد أشعر بانتمائي لهذا الجيل، رغم أني أتحرك فيه، وأنتمي إلى جيل كان العقل فيه يُحترم، والكلمة تُوزن، والمشاعر تُصان.
زمن كانت فيه التفاصيل الصغيرة تصنع المعاني، وكان الإنسان يعيش لا ليُبهر، بل ليفهم ويُفهَم.
زمن كان الشعور فيه ضرورة، وكان الإنسان يخطئ، ويتأمل، ويتألم، وهذه الأخطاء هي التي كانت تجعل منا بشرا.
أما الآن، فنحن نتجه نحو عالم خال من الإنسانية والتأمل، لا يحتمل البُطء، ولا يسمح بالأسئلة.
عالم يُعطيك كل شيء بسرعة، ويمنعك من التوقف لدقيقة لتفكر بسرعة.
نحن لا نخشى المستقبل، بل نخشى أن نُنسى فيه.
نخشى أن تتلاشى إنسانيتنا وسط أكواد بلا قلب، وشاشات بلا دفء، نخشى أن يتحول إحساسنا إلى ترف غير مدعوم من أنظمة لا تفهم الألم، ولا تحتاج إلى العاطفة كي تستمر.
نكتب الآن لأننا نؤمن أن الكلمة تظل شاهدة حين يخون الوعي، وتصمد حين ينهار الضجيج، وتُصدر النور في زمن تتنازع فيه العتمة مع التقنية.
ولأن المعاني لا تختصر في رموز تعبيرية، ولا تُقاس بالضجيج، نكتب.
نكتب لأننا نخشى أن نصبح مجرد ظلال رقمية تمرّ بلا أثر، ولأن كلماتنا آخر ما تبقّى لنا لنقاوم بها زوالنا وسط ضجيج العابرين وسرعة الفناء، لذلك نكتب لنبقى.
جيل السبابة والإبهام سيمضي بسرعة الضوء، لكننا سنظل هنا، نخطّ ذكرياتنا ونروي قصصنا، لعلّ أحدهم في زمن لاحق يتوقف ليستطلع كيف كان يفكر أولئك الذين عاشوا التحول بنصف إنسان ورقي ونصف إنسان رقمي.
وسنبقى نحن الجذور الراسخة في أرض المعاني، مهما اجتاحنا زحف الزمن، لنثبت أن الإنسان ليس مجرد نقرة عابرة، بل هو كيان نابض بالعمق، وممهور بالأصالة التي لا تمحوها التحولات.
ومع ذلك، سأستخدم المنصات، لكنني لن أنتمي إليها، وسأراقب هذا الجيل كغريب في حفل صاخب، أحمل في قلبي شعلة من زمن لم يمت بعد، ترفض أن تخبو وسط صخب العصر وسرعة اللحظة.
وإن كنت لا أفهم كل شيء، ولا أدّعي الفهم، فيكفيني أن أكتب، وأن أترك أثرا هنا، فربما يأتي يوم يكتب فيه الذكاء الاصطناعي نهايتنا، فأقول: “كنت هنا”.
كاتب رأي



كلام من تستاذ كبير. ماكتبته فهو في عمق الواقع الذي نعيشه مع ابنائنا ولا ننكر ابدا. انها لها دور كبير في تقدم وسرعة اكتساب المعلومات بطريقه متقدمه بارك الله في ماتكتبه