كُتاب الرأي

المكر لا يصنع عزّة

المكر لا يصنع عزّة

مرفت أبو العينين 

كثيرًا ما نخلط بين الذكاء والخبث، فنمنح بعض الأشخاص صفة «الذكي» لمجرد أنهم يجيدون المراوغة وإخفاء نواياهم وإيقاع الآخرين في المواقف المحرجة. لكن الذكاء أعمق من المكر، وأرقى من أن يكون مجرد حيلة لتحقيق مصلحة.

فالإنسان الذكي لماح، بعيد النظر، نافذ الفهم؛ يقرأ التفاصيل، ويفهم ما وراء الكلمات، ويعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يتقدم ومتى يكون التراجع أكثر حكمة. ولا يفكر فيما سيكسبه اليوم فقط، بل فيما سيترتب على أفعاله غدًا.

أما الخبث، فهو انشغال بإخفاء النوايا، وإرباك الآخرين، وتحقيق انتصار سريع، ولو كان الثمن خسارة الثقة والاحترام.

ونجاح الحيلة لا يجعل صاحبها ذكيًا.

فالخبيث قد ينجح في خداع شخص، أو كسب موقف، أو الإفلات من مواجهة؛ لكنه لا يستطيع أن يخفي طبيعته إلى الأبد. فالأساليب تتكرر، والأنماط تُقرأ، وما يظنه دهاءً يتراكم حتى يصبح دليلًا عليه. ومع مرور الوقت، لا يعود الناس بحاجة إلى أن يكتشفوه؛ إذ يكون قد كشف نفسه بنفسه، وظنّ أنه يسبق الجميع خطوة، فإذا بخطواته المتكررة تفضحه.

والأدهى من ذلك، أن الخبيث قد لا يكون دهِيًّا كما يتوهّم، بل سفيهًا يستنزف عقله في مراقبة الآخرين وحبك المكائد، بدل أن يستثمره في بناء حياته. يعيش أسيرًا للحسابات والشكوك والخصومات، حتى يخسر راحة البال التي لا تُشترى، ويفسد بيديه استقرارًا كان يستطيع أن ينعم به. فينشغل بهدم حياة الآخرين، بينما يكون أول من يهدم حياته.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: يريد أن يربك حياة الآخرين، فيغدو هو أول من يعيش في الارتباك؛ يريد أن ينتصر في موقف عابر، فيخسر سكينته، ويهدم ثقته بالآخرين، ويفقد علاقاتٍ كان يمكن أن تكون له سندًا. فيسعى لإرباك حياة غيره، فإذا به يدفع من استقرار حياته ثمنًا لما صنعه بيديه.

وقد لخّص القرآن هذا المعنى:

﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

وقال تعالى:

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]

فالخبيث يظن أنه يحرك خيوط اللعبة، ولا يدرك أنه عالق فيها؛ يراقب ويتربّص ويدبّر، حتى يستنزفه ما يحيكه لغيره، ويصبح أسيرًا للخصومات التي صنعها بيديه.

أما الذكاء الحقيقي، فلا يحتاج إلى إيذاء أحد، ولا إلى تحريك الخيوط من خلف الستار. فالذكي يعرف كيف يحمي نفسه دون أن يتورّط في أذى غيره، وكيف يضع حدوده دون أن ينحدر إلى الانتقام، وكيف يدفع الظلم عن نفسه دون أن يتحوّل إلى امتدادٍ لمن آذاه.

هناك فرق بين أن تعرف كيف تؤذي شخصًا، وأن تعرف كيف تمنعه من إيذائك؛ الأولى قد تكون حيلة، أما الثانية فهي حِنكة.

لذلك، لا تجعلوا الكيد معيارًا للذكاء، ولا الخِسّة علامة على الفطنة. فالذكاء أن ترى أبعد من اللحظة، وتحفظ كرامتك دون أن تنتقص من كرامة غيرك.

أما اللؤم قد يكسب معركة، لكنه لا يصنع مقامًا. وقد يُسقط خصمًا، لكنه لا يرفع صاحبه. وقد يمنح صاحبه نشوة انتصار عابرة، لكنه يترك خلفه قلبًا مضطربًا وسمعةً لا تُحترم.

الذكي لا يحتاج أن يكون خبيثًا، والقوي لا يحتاج أن يكون مؤذيًا، والعزيز لا يحتاج أن يكسر أحدًا ليشعر بقيمته. فالعزّة ليست أن تنتصر على الناس، بل أن تنتصر على رغبتك في إيذائهم، وأن تخرج من خصوماتك محتفظًا بكرامتك وقلبك وسلامك.

ومن أراد العزّة، فليُخلص نيّته، وليطلبها من الله؛ فالعزّة لا تُنال بالمكر، ولا تُبنى بإيذاء الآخرين، بل بحسن الخُلُق وصلاح العمل.

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾

كاتبة رأي 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.