الفراغ الذي يسكنني

الفراغ الذي يسكنني
لكلِّ شخصٍ عالمٌ خاصٌّ مختلفٌ عن الواقع يهرب إليه
أمّا عالمي، فيحكي عن شخصٍ بعينين تشبهان الفلك، واسعتين ممتلئتين بالفراغ، تتدلّى خصلاتٌ خضراء فوقهما. يبدو قاسيًا غير مبالٍ، في كلِّ ليلةٍ يسكنها الصمت، حتى إنَّ القمر يرفض الظهور فيها.
أستلقي على سريري منتظرةً شيئًا لا أعرف ماهيّته، لكنني أنتظر فحسب، أنتظر حتى يغلبني النعاس، فيظهر أخيرًا صاحب تلك العينين.
لا أعرف من يكون، لكن عينيه تجذبانني، ولا أستطيع مقاومته. أحيانًا يغويني الاقتراب منه ولمسهما، وأحيانًا أخرى أبقى مكتوفة اليدين، عاجزةً عن مجابهة سحرهما ومقاومة ذلك الانجذاب. يجعلني أشعر بالإهانة، وكأنني أخسر معركةً لا أعرف سبب خوضها.
همسه الثقيل، الشبيه بنسيمٍ بارد، يضرب أنفاسي. يبدو لي بأنّه يخشاني، أو أنّه مُجبرٌ على رؤيتي. لا أعلم لماذا يبدو كشخصٍ مقيّدٍ بي، كوحشٍ يرتدي قناعًا يوحي بالاهتمام، بينما يخفي خلفه شيئًا أعمق وأشدّ ظلمة.
في كلِّ مرةٍ أراه فيها، أحاول أن أسأله عن اسمه، لكن الكلمات تموت قبل أن تغادر شفتي، فأكتفي بالنظر إلى عينيه الفلكيّتين، وكأنّهما تحملان أسرارًا.
لم أره يبتسم قط، ولم أره غاضبًا. كان عالقًا بين المشاعر، كما لو أنّه لا ينتمي إليها.
ومع مرور الليالي، بدأت أشعر أنّني لستُ من تنتظره، بل هو من ينتظرني. كانت نظراته تتغيّر كلّما اقتربتُ منه، وكأنّ خلف ذلك الجمود رغبةً دفينةً في قول شيءٍ لم يستطع البوح به أبدًا.
وفي إحدى الليالي، حين كان الظلام أكثر كثافةً من المعتاد، رفع رأسه نحوي للمرة الأولى. لم يقل شيئًا، لكن الفراغ الذي يسكن عينيه بدا أقلَّ اتساعًا.
عندها أدركت أمرًا أرعبني أكثر من وجوده نفسه ،لم يكن ذلك الفراغ يسكن عينيه وحدهما، بل كان انعكاسًا لشيءٍ ضائعٍ في داخلي أنا أيضًا.
يسرا خير البشر ✍🏻