** التبرعات بين العمل الخيري والتوظيف الحزبي**

** التبرعات بين العمل الخيري والتوظيف الحزبي**
عبدالمحسن بن سليم المضيبري
تُعد العاطفة الدينية من أقوى المؤثرات في المجتمعات الإسلامية، فهي ترتبط بأعمق ما يحمله الإنسان من إيمان ومحبة للخير ورغبة في نفع الآخرين. ومن هنا كانت محل اهتمام كثير من الجهات والمشروعات الخيرية الصادقة، لكنها في الوقت ذاته أصبحت مجالاً تستهدفه بعض الجماعات والتنظيمات الفكرية والحزبية لتحقيق أهداف تتجاوز العمل الخيري المعلن.
إن المتتبع لتاريخ الجماعات الحزبية ذات الطابع الأيديولوجي يلحظ أنها لا تترك مجالاً مؤثراً في المجتمع إلا وتحاول النفاذ إليه واستثماره. فكل مساحة يغلب عليها البعد العاطفي أو الديني تمثل فرصة مناسبة للتأثير والاستقطاب وبناء الولاءات. ولذلك لم يكن مجال التبرعات والعمل الخيري بعيداً عن محاولات الاستغلال والتوظيف.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يعتمد على حسن نية الناس وبساطتهم، فالمتبرع غالباً ما يدفعه حب الخير ورغبة الأجر، بينما قد تُستغل تلك المشاعر في توجيه الأموال أو الطاقات لخدمة أهداف تنظيمية أو فكرية لا يعلم عنها شيئاً. وهنا يتحول العمل الخيري من رسالة إنسانية نبيلة إلى أداة للتجنيد أو بناء النفوذ أو تعزيز الارتباطات الحزبية.
وعندما يتحدث المختصون في الشأن الفكري عن ضرورة ضبط أعمال التبرعات ومراقبة القنوات المالية للجمعيات والمؤسسات، فإن حديثهم لا ينطلق من معارضة للعمل الخيري، بل من الحرص على حمايته من الاختراق والاستغلال. فالتاريخ المعاصر يزخر بأمثلة استُخدمت فيها الشعارات الدينية والإنسانية ستاراً لتمرير أجندات فكرية أو تنظيمية بعيدة عن الغايات المعلنة.
إن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول أمام هذه الممارسات؛ فكلما كان المتبرع أكثر إدراكاً لمسارات أمواله وجهات صرفها، وكلما ازدادت الشفافية والحوكمة والرقابة المؤسسية، ضاقت فرص الاستغلال وتراجعت قدرة أصحاب الأجندات الخفية على توظيف العاطفة الدينية لمصالحهم الخاصة.
ولهذا فإن حماية العمل الخيري لا تكون بإضعافه أو التشكيك فيه، وإنما بتعزيز النزاهة والشفافية والرقابة، حتى تبقى أموال المتبرعين موجهة إلى مستحقيها الحقيقيين، وتبقى المشاعر الدينية النبيلة بعيدة عن الاستثمار الحزبي أو التوظيف الأيديولوجي.
فالدين جاء لبناء الإنسان وخدمة المجتمع، لا ليكون جسراً تعبر عليه التنظيمات نحو النفوذ، ولا وسيلة تستغل بها عواطف البسطاء تحت شعارات براقة .
كاتب رأي