كُتاب الرأي

صَمْت

صَمْت

فاطمة الصباح 

في زمنٍ تصل فيه الرسائل خلال ثوانٍ وتُقرأ في لحظات يبدو أن الرد هو الشيء الوحيد الذي يتأخر والشيء الوحيد الذي يحتاج إلى شجاعة.

قد يكون بعض الصمت هدوءًا وبعض التجاهل نسيانًا.
بعض الرسائل التي نكتبها ليست لتُقرأ فقط، بل لتُبنى عليها قرارات..
لتُغلَق بها أبواب أو تُفتَح بها طرق.

حين يرسل إليك أحدهم رسالة ينتظر عليها ردًّا فهو ينتظر وضوحك، ينتظر موقفًا لا مجاملة..
ينتظر إشارة تُنهي التردد الذي يقف فيه وحده، لكن ما يحدث أحيانًا أن تُقرأ الرسالة وتُترَك معلَّقة كأنها لم تُكتَب. وهنا لا يكون الغياب حيادًا بل يصبح نوعًا من الإجابة.
إجابة مرتبكة غير مكتملة تجعل الطرف الآخر عالقًا بين احتمالات لا تنتهي.
تخيَّل أن قرارًا بسيطًا ينتظر ردك، موعدًا، اتفاقًا، فرصة، أو حتى اعتذارًا.
بَيْن أن تقول: نعم.. أو لا، هناك مساحة زمنية يعيشها الطرف الآخر يراجع فيها نفسه ويعيد تفسير كلماتك، ويحمّل صمتك أكثر مما يحتمل.
الصمت هنا لا يكون خفيفًا كما نظن، بل ثقيلًا لأنه غير واضح ولا يُفهَم بسهولة.
قد نظن أن التأجيل نوع من اللطف أو أن التجاهل يجنّبنا الحرج لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
التأجيل بلا تبرير يُربك، والتجاهل بلا موقف يُؤذي.
ليس المطلوب منك أن تُرضي الجميع ولا أن توافق على كل شيء، لكن أن تكون واضحًا.. هذا أدنى درجات الاحترام.
أن تقول: لا.. بلطف، يعني أنك احترمت وقت غيرك.
أن تقول: نعم.. بصدق، يعني أنك تحمَّلت مسؤولية قرارك.
أن تقول: أحتاج إلى وقت، يعني أنك منحت الآخر أرضًا يقف عليها بدل أن يظل معلقًا.
أما الصمت فهو مساحة فارغة يملؤها الآخرون بتفسيراتهم وغالبًا بأسوئها.
تتجلَّى هذه الفوضى بشكل أوضح في التفاصيل الصغيرة التي نظنها عابرة..
كأن تُرسِل دعوة قبل أيام ويأتيك الاعتذار في نفس يوم الموعد..
وكأن الوقت الذي سبق لم يكن كافيًا لرد بسيط.
هنا الاعتذار لا يكون لطفًا كما يبدو، بل تأخيرًا مُقنَّعًا يحمل في داخله إرباكًا..
وتغييرًا في خطط، وإعلانًا متأخرًا عن قرار كان يمكن أن يُكتَب في وقته.
كأنك لم تتردد طوال الأيام الماضية، بل اخترت أن تؤجل وضوحك حتى أصبح الاعتذار عبئًا عليك ولم يَعُد نافعًا.
لأن الرد ليس بما نقوله أو نكتبه، بل بـ (متى نقوله)، فالاعتذار في وقته احترام..
وفي تأخيره عبء ينتقل إلى الطرف الآخر.
في بيئة العمل قد يضيّع الصمت فرصًا، ويعطّل قرارات، ويخلق فجوات لا تُرى فورًا، لكنها تزداد اتساعًا مع الوقت.

وفي العلاقات قد لا يكون الصمت مجرد تأخير، بل إشارة إلى أنك لا ترى ما يراه الآخر مهمًّا، وهنا يبدأ الشرخ.

والأعمق من ذلك أن الاعتياد على عدم الرد يُدرّبنا، دون أن نشعر، على الهروب من المواجهة واتخاذ الموقف من تحمُّل تبعات (نعم) و(ﻻ)، فنختار الصمت ليس لأنه أفضل، بل لأنه أسهل، لكن السهولة لا تعني الصواب.

الوضوح حتى لو كان حادًّا فهو أكثر رحمة من صمتٍ يطيل الانتظار، وأبسط رد قد ينقذ علاقة أو يحفظ وقتًا..
أو يمنع سوء فهم يمكن أن يكبر.

✍🏻 وفي النهاية…

لسنا مطالبين بأن نكون حاضرين طوال الوقت، لكننا مسؤولون حين نُخاطَب، ويجب أن نكون واضحين؛ لأن بعض الرسائل لا تحتاج إلى رد طويل ولا كلمات منمَّقة، تحتاج فقط إلى أن نقول شيئًا بدل أن نترك الآخرين يقرؤون صمتنا.

✍🏻 ومضة

بعض الوضوح.. رحمة.

كاتبة رأي 

 

 

فاطمة الصباح

كاتبة رأي

‫3 تعليقات

  1. مقال واقعي ويصف سلوكاً اجتماعيها ملحوظا. خاصة في ظل تدفق الرسائل عبر وسائل الاتصال الحديثة. كثيرا ما نؤجل الرد على سبيل ان نرد في وقت أنسب ثم تذهب هذه الرسالة في سبيل النسيان. لكن أرى أنه ليس كل رسالة يمكن تجاهلها أو تأجيلها بعض الرسائل في الرد عليها حالاً احترامٌ وتقدير الطرف الآخر.
    تحية لك استاذة فاطمة على أسلوبك الرشيق ولغتك الرائعة.

  2. مقال جميل أ/ أمل بالفعل الصمت وعدم المواجهة او ابداء الرأي يثيرني ايضا فأنا أعشق البوح وأعشق المواجهة وأشعر أن الصمت وخاصة العقابي منه محبط وقاطع لحبال الود!
    فما أجمل أن تكون انسانا ناطقا على خارطة الوجود!
    بعض الصمت كخطوط العنكبوت تحجب إبداعا وتقتل كلمة وتثقل من ينتظر ردا بالظنون!
    مساؤك اغنايات فرح لا صمتا يقتل الإبداع!

  3. مقال رائع، جاء بأسلوب أدبي عميق ومؤثر، وحمل بين طيّاته أمثالًا وحِكمًا مكثفة المعنى زادت النص جمالًا وثراءً في الدلالة

اترك رداً على محمد العطوي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى