كُتاب الرأي

المفاضلة بين المشاعر

المفاضلة بين المشاعر

فاطمة الصباح 

أحيانًا لا يؤلمنا غياب الشكر بقدر ما يؤلمنا السبب الذي مُنع من أجله.
حين يقول أحدهم: “كنت أود أن أشكرك على مجهودك الذي أبدعتَ فيه، لكني أخاف من زعل الآخرين” جملة قصيرة قد تمر على كثيرين مرورًا عابرًا، لكنها توقفتْ عندي طويلًا.
هو يظن أنه بهذا الخوف يحمي مشاعر الآخرين، لكنه في الوقت نفسه اتخذ قرارًا غير معلَن بأن مشاعرك أنت يا مَن قمتَ بالمجهود العظيم يمكن أن تتحمل التجاهل.
في هذه اللحظة لم يكن هناك شخص واحد في المعادلة، بل أكثر من شعور وُضع على كفة ميزان، ثم تقرر أيها يستحق المراعاة أكثر.
ومن المؤلم أن يكتشف الإنسان أحيانًا أنه ليس الشخص الذي تُحسَب له الحسابات.
المشكلة هنا ليست في مراعاة الناس، فمراعاة المشاعر خُلُق جميل، لكنها تصبح مؤلمة حين تُوزَّع بمعايير مختلفة.
فيشعر بأن وجوده في دائرة المشاعر مختلف عن وجود الآخرين. مؤلم أن تُصبح الشخص الذي يُفترض أنه سيتفهم وسيتجاوز وسيعذر وسيصمت.
دائمًا هناك هذا النوع من الناس في حياتنا.
الأشخاص الذين نعتقد أنهم أقوياء بما يكفي ليتحملوا فنؤجل الرد عليهم، وننسى الاعتذار لهم، ونؤخر شكرهم، ونختصر حضورهم، ونمنح غيرهم كل الحذر الذي يستحقونه.
ليس لأنهم أقل قيمة، بل لأننا اعتدنا أنهم لن يعترضوا.
الغريب أننا حين نفكر في المشاعر نفكر غالبًا في المشاعر الأعلى صوتًا.
فالشكر ليس خيانة لأحد، والامتنان ليس إساءة لأحد، والاعتراف بالجميل لا ينبغي أن يتحول إلى فعل سري يُمارَس خلف الأبواب خوفًا من ردود الأفعال.
المؤلم أن بعض الناس يعتادون إخفاء تقديرهم لمن يستحقه، لا لأنهم لا يرونه، بل لأنهم يخشون انزعاج من حولهم، فيكبر صوت المجاملة، ويصغر صوت الحقيقة.
لهذا لا أظن أن المجاملة هي أجمل ما يمكن أن نقدِّمه للناس، بل توزيعها ومراعاة المشاعر كلها بالقدر نفسه، أجملُ ما يمكن أن يُقَدَّم، كما ينبغي ألا يتحوَّل خوفنا من إزعاج شخص إلى سببٍ في إهمال شخص آخر.
فالامتنان لا يجب أن يُخفى، والتقدير لا يجب أن يُهمس به سرًّا، والاعتراف بالجميل لا ينبغي أن يُؤجل؛ لأنَّ أحدًا قد لا يعجبه ذلك.
ولأن المشاعر لا تُقاس بمن يرفع صوته أكثر، ولا بمن يطالب بحقه أكثر.
أحيانًا تكون أكثر القلوب ألَمًا هي تلك التي ظن الجميع أنها ستتفهم.
وربما السؤال الذي يستحق أن يُطْرَح:
لماذا نخاف أحيانًا من إظهار الامتنان لمن أحسن إلينا، بينما لا نخاف من أثر السكوت عليه؟
فقد نوجه جرحًا غير مقصودٍ لجهة في خِضَمِّ محاولتنا حمايةَ مشاعر جهة أخرى.
وقد يكون أقسى أشكال التجاهل أن يعرف الإنسان أنك ممتن له، ثم يختار ألا يقولها.
المشكلة أن الرسالة التي تصلهم تكون أكبر من ذلك بكثير؛ لأن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الكلمات، بل يبحث عن موقعه في قلب الآخرين.
يريد أن يعرف حين تتزاحم الاعتبارات: أين أقف أنا؟
وحين تتعارض المشاعر هل تُحسب مشاعري أيضًا؟ أم أن دوري الدائم هو التفهم فقط؟
ولعل أكثر ما يرهق بعض النفوس أنها تؤدي هذا الدور سنواتٍ طويلة.
دور الشخص المتفهم، الشخص الناضج، الشخص الذي لا يسبب المشاكل.
حتى ينسى الجميع أنه يملك قلبًا مثلهم تمامًا.
وأن الهادئين أيضًا يتأذون.
وأن الذين يبتسمون بعد التجاهل لا يعني أنهم لم يشعروا به.
وأن الذين لا يطالبون بحقوقهم العاطفية لا يعني أنهم لا يحتاجونها، بل ربما كانوا أكثر الناس احتياجًا لها؛ لأنهم اعتادوا أن يمنحوها للجميع دون أن يطلبوها.

نبضة:
بعض الناس لا يخسرون مكانتهم لأنهم أخطؤوا، بل لأن الآخرين اعتادوا أنهم سيسامحون، ومع كل مرة يُطلب منهم التفهم يُسحب من رصيدهم شيء لا يعود حتى يأتي يوم يبتسمون فيه كعادتهم، لكنهم في الداخل لم يعودوا في المكان نفسه.

كاتبة رأي 

 

فاطمة الصباح

كاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.