على دروب الحج القديمة

على دروب الحج القديمة
حكايات ومواقف لا تُنسى
بقلم: بكري عساس
منذ مئات السنين ظلّ الحج إلى بيت الله الحرام رحلة إيمانية عظيمة، تحمل في طياتها مشقّة السفر وطول الطريق، لكنها في المقابل كانت مليئة بالأمل والشوق إلى رحمة الله ومغفرته. فقد كان الحجاج يقطعون الصحارى والبحار، ويواجهون الجوع والعطش وتقلبات الطقس، بل ويتعرض بعضهم لخطر قطاع الطرق وغياب الأمن في بعض المناطق، ومع ذلك لم تكن تلك الصعوبات تمنعهم من تلبية نداء الحج، بل كانت تزيدهم إصرارًا وشوقًا للوصول إلى مكة المكرمة.
وكانت قوافل الحجاج قديمًا تتحرك في مجموعات كبيرة، تضم رجالًا ونساءً وأطفالًا من بلدان وثقافات مختلفة، يجمعهم هدف واحد هو أداء الفريضة المباركة. وكانت الرحلة قد تستغرق أشهرًا طويلة، يسير خلالها الحجاج على الإبل أو الخيل أو حتى سيرًا على الأقدام، حاملين معهم الزاد والماء، ومتوكّلين على الله في كل خطوة.
ورغم ما كان يكتنف الطريق من أخطار، فإن الرحلات لم تكن تخلو من المواقف الطريفة والإنسانية التي ظلت عالقة في ذاكرة الحجاج. فقد كان بعض الحجاج يبالغون في الحرص على أمتعتهم حتى إن أحدهم ربط كيس النقود في عمامته خوفًا من السرقة، وعندما وصل إلى مكة نسي مكانه، وظل يبحث عنه طويلًا قبل أن يكتشف أنه فوق رأسه طوال الوقت، فضحك من حوله وضحك معهم.
ويُروى أيضًا أن أحد الحجاج كان يرافق حماره طوال الطريق ويعتني به عناية كبيرة، حتى أصبح الحمار معروفًا بين أفراد القافلة، فإذا تأخر صاحبه قالوا: “أين الحاج وصاحبه؟” في إشارة طريفة إلى الحمار الذي صار جزءًا من الرحلة ورفيقًا مألوفًا للجميع.
كما كانت الصحبة الصالحة من أجمل ما يميز رحلات الحج القديمة، إذ تتكوّن بين الحجاج صداقات متينة خلال الطريق. فكانوا يتعاونون على إعداد الطعام، وتقاسم الماء، ومساعدة كبار السن والمرضى، ويجتمعون ليلًا حول مواقد النار يروون القصص ويتبادلون الأخبار والأشعار. وكثيرًا ما عاد الحجاج إلى أوطانهم بعلاقات أخوية استمرت سنوات طويلة بعد انتهاء الرحلة.
ومن المواقف المؤثرة أن بعض الحجاج كانوا يدّخرون المال سنوات طويلة من أجل أداء الحج، فيبيع أحدهم جزءًا من ممتلكاته أو يعمل أعمالًا شاقة ليحقق حلم الوصول إلى بيت الله الحرام. وكان الوصول إلى مكة بالنسبة لهم لحظة تاريخية لا تُنسى، تمتزج فيها دموع الفرح بخشوع العبادة.
أما اليوم فقد تبدلت الأحوال بفضل الله، وأصبحت رحلة الحج أكثر يسرًا وأمانًا، بفضل ما وفرته المملكة العربية السعودية من خدمات عظيمة للحجاج، شملت توسعة الحرمين الشريفين، وتطوير وسائل النقل، وتوفير الرعاية الصحية والأمن والتنظيم الحديث. وأصبح الحاج يصل إلى المشاعر المقدسة في ساعات قليلة بعد أن كانت الرحلة تستغرق شهورًا طويلة.
ورغم هذا التطور الكبير، فإن روح الحج بقيت كما هي؛ رحلة إيمانية تُطهّر النفوس وتجمع المسلمين من شتى بقاع الأرض في مشهد إيماني مهيب، يؤكد وحدة الأمة الإسلامية وعظمة هذه الشعيرة المباركة.
كاتب رأي
