نادي القصة

النخل وقلبي

النخل وقلبي

أين وصلنا ،،، نعم الميزانية للعام المنصرم تجاوزت نصفها ونحن لا نزال في الربع الاول ، يجب وضع منظومة لتقنين الصرف ،،،،،

هاقد عاد من جديد وسط قاعة احتشد فيها مدراء الاقسام كلاً و مصروفاته والمدير العام يتململ في كرسيه مستمعاً لمدير المالية وهو يتفرس الحضور مقتصراً على الارقام. وسط هذا الإزدحام الفكري، هربت عيناي من الإجتماع عبر النافذة إلى النخيل بالخارج . هو يعلم أن هذه النخلات عقيمة كعقول بعضهم ، غير قابلة لطرح منتج مفيد للبشر. عادت بي ذاكرتي إلى نخيل جدي الضخمة كمردة نبي الله سليمان وكيف كنا نجهز السلال التي صنعت من سعف النخل لنملاءها بالمحصول الجديد رجالاً شديدي العود، امسكوا بالكر واخذوا يتسلقون النخيل والمحش خلف ظهورهم ، ارجلهم قاسية متشققة ، تطأ على نتوءات النخلة دون وجل او خوف ، ثقل ظهورهم كان المرتكز الاساسي لثبات حبل الكر القاسي على النخيل وحزام الامان لهم كي لا يقعون
اخذ بعضهم يچذب النخيل وجدي يصيح به :
لا تعّور قلبها ؟ لا تعّور قلب النخلة !
عجيب،،، جدي الذي ضرب اخي الكبير حتى كاد يدفنه ، وجعل أمي تبكي حرقة حتى بعد تلك الحادثة ،، يخشى على قلب النخلة !
خرفَ الرجال التمر وهبطوا على الأرض واخذنا نفرز الجيد منه فهذا هو ما نبيعه ونفصل ما قضمت منه الطيور، للماشية
جمعنا التمر في سلال واخذ جدي يقلبه بيده ويشتم منه ويردد
ما شاء الله ، بقيت المبروكة
أما المبروكة فهي أقرب نخلاته لقلبه، يقطع نصف عذوقها ويبقي النص ليخرج المحصول الملكي لتمر الاخلاص حيث تتجاوز طول نخل المبروكة طول ولون المنتج الباقي
جدي كان يقول :
النخلة كالمرة كلما قل حملها كلما انتجت اكثر .
وقع احد الرجال من أعلى النخلة ، اسمه زكي واخذ يصرخ ، هرع اليه الرجال واخذوه للمراخ ( معالج شعبي) اخذ كاس وضع فيه قطن واشعله ثم ثبته على ظهر الرجل لدقايق ثم جره بعنف فصرخ الرجل صرخة زلزلت قلبي
بينما ابتسم المراخ : يومان وتعود كالحصان
أين وصلنا ؟ صاح مدير المالية
عدت إلى أجواء الإجتماع الممل ، وامامي تمرٌ وبجانبي فتاة تصب لي القهوة نظرت إليها المكياج وعمليات التجميل أنهكتها ، لا درب لها في الحياة سعيد ام تعيس هي وظيفة وحسب كوظيفة زكي حين وقع ولسوف يعود شاء ام ابى
المدير: لما تجاوزت المصاريف المخصصة لك هذا العام المنصرم !
لأن منها مرتجع من العام الماضي ، ولا زالت تلك المخصصات مطلوبة منا تنفيذها لأنها حسب اللوائح المتفق عليها.
تململ المدير ثم قال :هل تقصد البيوت التي التزمنا ببناءها ؟
نعم هي ،وإن لم نفعل، فلسوف نواجه قضايا متعددة، لقد تأخرنا بسبب حرب روسيا واوكرانيا وتاخر وصول المواد كما أن المقاول وقع تحت ظرف طارىء
مفهوم..مفهوم
عدت إلى خيالي ، تلك البيوت الغبية التي بنيناها ، بيوت ذات وجهات زجاجية في دولة تسيطر الحرارة العالية على معظم شهورها ، ذات الفناء الجانبي المفتوح الذي يلغي الخصوصية
عاد إلى ذاكرتي بيت جدي ، البيوت متلاصقة والفناء في منتصف البيت وكل نوافذ البيت تطل على الفناء الداخلي محافظة على خصوصية البيت وخاصة النساء والجدران طينية ضخمة تحافظ على برودة المكان مهما كان لهيب الصيف بالخارج حتى القطط تختبىء والأبل تتقاتل مع بعضها بعض على ظل الاشجار ، الصكيك الضيقة نمر بها لنصل إلى بيت جدي ونمر تحت الساباط حيث اتخذ الجيران مسكناً لهم فوق الطرق الضيقة حيث استغلال المساحة كيفما اتفق ، الحال تكرر الأن.
وأنا في داخل الفندق الضخم من الخارج والذي فجعت في صغر غرفه التي تعبر عن نظرية استغلالية لكل ركن وزاوية لكي يستفاد من أصغر مساحة . توهجت لدي الافكار واختلطت المشاعر من بين الترف الذي اخذ يتزايد بلا هوادة وكأننا في حالة هروب من ماضينا السحيق . وسيل من الماء الدافئ يسكب فوق راسي ورقبتي ويبلل جسدي ، أتحكم في حجم قطرات الماء وحرارة روحها عادت الي ذاكرتي كيف كان الاستحمام نعمة كبيرة جدًا كنا نحتشد في سيارة جدي حتى نصل إلى عين الحارة بالمبرز ونتحول هناك إلى أسماك تدمن المياه، نأخذ النفس الطويل ونغطس إلى اعمق نقطة حتى تكاد ضلوع صدورنا تسحق رئتينا ثم نعود ادراجنا إلى سطح الماء نقفز كالدلافين ثم نعود الى ذلك مرات عدة، تلك كانت فرصتنا الوحيدة للاستحمام خاصة للذكور أما الأناث فالاستحمام في مزرعة خاصة أو أن تتكبد الأمهات تسخين المياه في البيت وغسل أجسادهن من ادران الحياة
والأن، زر بسيط ويأتي الماء بأيسر ما يكون
على منضدة قريبة مني مشروع جديد للإسكان
بعيد كل البعد عن تاريخنا والتحدي الأكبر أن المكان المخصص له هو الحي الذي يقطنه جدي وأهله، فقد استحال وكر للعمالة الوافدة بعد أن هجره اهله والباقي آل للإنقراض.
اشتغل التلفاز اريد أن أرى ما يشغل عقلي عنه،
ظهر مهرج، تذكرت سالم أو سويلم كما كان جدي يسميه ، سويلم كان شاباً طائشاً حسب مقاييس جدي ، يضحك على الدوام ويغنى في كل مكان بمناسبة و بدون مناسبة ، وهو يعمل، وهو يمشي، وهو يعد الطعام ، وهو فوق النخل متعلق بالكر . جدي لا يطيقه بالعادة ويتضاعف ذلك حين يبتسم سويلم ويقول:
على ماذا تبتسم ! قلة بختك وتدبارك

يهز سويلم رأسه ويمضى وكذلك يفعل جدي ويمضي وكذلك أفعل أنا وامضي بقلمي.

علي الماجد 

 

الأديب المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.