كُتاب الرأي

عبور

عبور

فاطمة الصباح 

كيف تستقبل حياةً جديدةً.. وأنت لم تُغلِق بَعْدُ أبوابَك القديمة؟!
في لحظةٍ ما ستشعر بأن حياتك لم تَعُد تتسع لك.. أنت تَكْبر لكنها لا تَكْبر معك، وستدرك بصمتٍ مؤلم،

أن البقاء كما أنت.. لم يَعُد خيارًا مريحًا

نحن لا نخاف التغيير، بل نخاف أن نخسر النسخة التي اعتدنا عليها من أنفسنا.. نخاف أن نكتشف أننا كنا نعيش بنصف قلب، وهنا تبدأ الحيرة.. هل نتمسك بما نعرف؟! أم نمشي نحو شيء غير مضمون؟!

ذلك الكرسي الذي جلسنا عليه طويلًا حتى صار يحمل ملامحنا، وصارت أرواحنا تميل إليه كلما تعبنا.. كيف نتركه؟! كيف نجرؤ على أن نغيّر زاوية جلوسنا في هذا العالم؟!

الحقيقة أن الحياة الجديدة لا تطلب منك أن تهدم ما بنيتَ، بل أن تترك نافذة صغيرة للضوء تسمح لفكرةٍ غريبة بأن تمر، أن تقول: ربما يأتي بدلٌ دائمًا.

ليست الحياة الجديدة بابًا يُطرَق فجأة، ولا ضيفًا يأتي بموعدٍ محدَّد.. إنها أقرب إلى نسمةٍ جميلة تدخل من نافذةٍ مفتوحة.

حين نقرر أن ننتقل إلى حياة جديدة لابد أن نخفف قبضتنا على بعض التفاصيل، ونتوقف عن محاولة إبقاء كل شيء كما كان الاعتياد.

قد تأتيك الحياة الجديدة على هيئة رغبة تغيّر طريقك المعتاد، وأن تترك كل شيء دون أن تعرف إلى أين تذهب. وهنا كثيرون يهربون من فكرة ترك النسخة التي اعتادوا عليها، لكن القليل مَن يدركون أنها دعوة البداية.

الحياة الجديدة لا تطلب منك أن تكون شجاعًا بالكامل، بل أن تتقبل هذا الشعور، وألَّا تعود لنفسك القديمة.

ربما ستتأخر أو تتردد، لكن يجب أن تكون مستعدًّا وصادقًا باعترافك (لن أبقى كما أنا فقط لأنني اعتدت ذلك).

في النهاية لن تشعر بلحظة التحول مباشرة، لكن ستكتشف فجأة أنك لم تَعُد تَرْغُب في الأماكن نفسها، ولا تفكر بالطريقة نفسها، وأن قلبك صار أوسع قليلًا.. وهذه هي البداية.

الحياة الجديدة تبدأ بالانسحاب الهادئ من أشياء لم تَعُد تشبهنا ولم نَعْتَدْها، فلا تستعجل الوصول، ولا تخف من هذه الحيرة المؤقتة؛ لأنك في الحقيقة قد بدأت تتكوَّن من جديد.

ستحاول في البداية أن تُهذِّب هذا الشعور، فبعض المشاعر توقَظ، وستبدأ بملاحظة أشياء وتفاصيل كانت عادية فأصبحت مهمة.. أماكن كنتَ قد أحببتَها صارت غريبة، وأحاديث كنتَ تنصت إليها لم تَعُد تُشبهك.

لا تقاوم هذا التحوُّل وامنح نفسك فرصةَ أنْ تعيد التفكير لتعرف الطريق، ودَعْ هذا النداء (أنا لم أَعُد هذا الشخص بعد الآن) حقيقةً.. وكأنك تتعلم الحياة من جديد بطريقتك أنت.

كاتبة رأي 

 

 

فاطمة الصباح

كاتبة رأي

‫3 تعليقات

  1. التغيير مجبرين عليه حتى نتأقلم مع الحياة ويستمر التوازن فالحياة بطبيعتها تتغير، وإذا ما تغيّرنا معها نشعر بأننا واقفين مكاننا أو حتى نتراجع. لكن المهم إن التغيير لايكون فقدان للذات بل تطوير لها يعني نكبر نتعلم، ونتكيف ولكن نظل متمسكين بقيمنا الأساسية مقال رائع استاذه فاطمه سلمت على الطرح

  2. طرح جميل..ولا بد من التكيف مع تغيّرات الحياة وإيجاد سبل للتأقلم، إذ يُعد ذلك شرطًا أساسيًا للاستمرار والتوازن النفسي.

  3. نقال جميل يؤكد على إيجاد الشخصية القوية التي تتكيف مع معالم التغيير وأنه سنة الحياة وهذا مايعادل الأثر الذي يقول علمزا أبنائكم على غير شاكلتكم فإنهم مولودون لزمان غير زمانكم ومن المعروف أن المقاومة البشرية هي أعتى المقاومات للتغيير وتكون أقوى مع النفس وقال الله تعالى في سورة الرعد ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ) وفي سور العصر والتي بدأت بقسمه بالعصر بأن الإنسان لفي خسر وختمها بإلا اللذين تواصلوا بالحق وتواصوا بالصبر ومن ضمن الصبر الصبر على النفس.
    شكرآ أستاذة فاطمة على طرحك المبدع.

اترك رداً على د.سعود العطوي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى