كُتاب الرأي
حين يتحدث الوجع

حين يتحدث الوجع
قال الشاعر العباسي معن بن أوس المزني
إِذَا العِبْءُ الثَّقِيلُ تَوَزَّعَتْهُ …
رِقَابُ القَوْمِ خَفَّ عَلَى الرِّقَابِ
بيتٌ اختصر حكمة التكافل الإنساني؛ ليذكرنا بأن بيئات العمل الناجحة لا تُبنى بالنُّظم واللوائح فحسب، بل بالقلوب التي تسند بعضها حين تميل بها الظروف. فالعمل ليس مجرد عقود وأرقام ومهام تُنجز، بل هو بيئة إنسانية متكاملة الأدوار، يتشارك فيها الأفراد قاعات الإنتاج ومكاتب العمل لأجزاء كبيرة من أعمارهم. وفي خضم الضغوط المهنية وتراكم المسؤوليات الإدارية، يسعى الجميع جاهدين لتحقيق الأهداف المنشودة، قد يغيب عن البعض أن الحياة تحمل في كنفها تقلبات واختبارات قاسية وظروفًا طارئة قد تحاصر الموظف بين حينٍ وآخر في نفسه أو أسرته أو معطيات حياته المختلفة. وهنا تبرز أهمية الوعي الإنساني والتعاطف الوظيفي بين الزملاء.
البعد الإنساني في بيئة العمل:
كثيرًا ما يتعرض الموظف الذي تمر به ظروف حياتية صعبة لضغوط مضاعفة؛ فإلى جانب قلقه وهمومه الخاصة، يواجه همًّا آخر يتمثل في نظرة بيئة العمل لغيابه. بعض الزملاء،لعدمإدراكهم لحقيقة الموقف، قد ينزعجون من تكرار الغياب معتبرين إياه عبئًا إضافيًّا يقع على عواتقهم، متجاهلين أن نوائب الدهر لا تأتي بموعد مسبق، وأن ظروف الحياة هي قدر محتوم قد يطرق باب أي منا في أي لحظة.
ثقافة المضايقات وأثرها السلبي:
إن صدور بعض التذمر أو المضايقات غير المباشرة تجاه الموظف الغائب أو العائد لِتَوِّهِ من ظرف ألمّ به، يترك ندوبًا عميقة في نفسه. بيئة العمل الطاردة التي تخلو من الدعم النفسي تفقد روحها ومكامن قوتها. فبدلًا من أن يكون الزملاء سندًا وعونًا لبعضهم – بعد الله – في أوقات الأزمات، تتحول البيئة إلى ساحة لِلّوم والعتاب غير المبرر، مما ينعكس سلبًا على الأداء العام والاستقرار النفسي للفريق ككل.
نحو بيئة عمل متكاتفة وواعية:
لكي نرتقي ببيئة العمل، نحتاج إلى ترسيخ مفاهيم التآخي المهني والذكاء العاطفي من خلال ما يلي:
١- تعزيز حسن الظن: التماس العذر للآخرين وإدراك أن الغياب أو انشغال الذهن غالبًا ما يخفي خلفه معاناة حقيقية لا يشاركها الموظف مع الجميع.
وقد قيل: إن أعقل الناس أعذرهم للناس؛ فالذين يلتمسون الأعذار للآخرين أصحاب قلوب طيبة نقية؛ يذكرون الناس بالخير، ويحملون أفعالهم على أحسن المحامل، فإذا تأخر أحدهم قالوا: لعل لديه ظرفًا طارئًا، أو ازدحامًا في الطريق، وإذا لم يرد قالوا: ربما هو مشغول، أو لم ينتبه لهاتفه، وإذا سمعوا كلمةً جارحة قالوا: لعله لم يقصد، وربما خانته العبارة؛ فلكل جواد كبوة، وإذا دعوا أحدًا فلم يحضر قالوا: لعله نسي الموعد، أو عرض له عذر.
إن التماس الأعذار للآخرين يفتح أبواب المودة والرحمة، ويُقوّي العلاقات الاجتماعية.
ولنا في سيرة نبي الله يوسف – عليه السلام – أعظم الأسوة في تعزيز حسن الظن وإقالة العثرات؛ فقد ألقاه إخوته في الجُبّ، وباعوه بثمن بخس، بل واتهموه بالسرقة إذ قالوا:”إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ” [يوسف: 77]. ورغم كل هذا الأذى، غلّب حسن الظن والتلمس لهم الأعذار، فعذرهم بالجهل وطيش الشباب قائلاً:”هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ”[يوسف: 89]. ولم يقف عند هذا الحد، بل زاد عليه عفواً وصفحاً ودعاءً:”لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ”[يوسف: 92]، وبلغ أوج حسن الظن حين نزه إخوته ونسب ما حدث إلى نزغات الشيطان فقال:”مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي”[يوسف: 100]؛ ليعلمنا أن سلامة الصدر تبدأ من حسن الظن بالآخرين وإحالة الزلل إلى العوارض لا إلى الخصال.
٢- إشاعة ثقافة الدعم: الوقوف بجانب الزميل المتعثر في ظروفه وسدّ الفراغ الذي يتركه بروح إيجابية واحتساب ذلك عملًا إنسانيًّا نبيلًا.
٣- دور الإدارة والقيادة: وضع سياسات واضحة تحمي خصوصية الموظفين وتوعّي فرق العمل بأهمية التعاطف الإنساني في مواجهة تقلبات الحياة.
في النهاية، الأيام دول، واستقرار الإنسان النفسي والأسري هو أغلى ما يملك. إن زرع الرحمة اليوم في بيئة العمل يكفل لنا إيجاد مجتمع مهني مترابط يحفظ كرامة الفرد ويقوي بنيان الجماعة.

