في ظلال المشهد المسرحي

جمهورنا المسرحي: من التلقي إلى التذوق

جمهورنا المسرحي: من التلقي إلى التذوق

ليس المسرح خشبةً تُضاء ثم تُطفأ، ولا ممثلين يمرّون في زمنٍ عابر، بل هو لقاء إنساني لا يكتمل إلا بوجود ذلك الكائن الجالس في العتمة، الذي يبدو صامتًا لكنه في الحقيقة يكتب نصف العرض دون أن ينطق… إنه الجمهور. هذا الجمهور، في كل مكان، ليس كتلة واحدة، بل أرواح متعددة تدخل القاعة بدوافع مختلفة؛ منهم من يأتي ليضحك، ومنهم من يبحث عن معنى، ومنهم من يراقب بعين الناقد، لكنهم جميعًا يشتركون في لحظة التحول تلك، حين تنتقل الخشبة من كونها مساحة للتمثيل إلى مساحة للحياة. فالمسرح لا يُشاهَد بقدر ما يُعاش، والجمهور هو من يمنحه نبضه الحقيقي؛ ضحكته توقيع، وصمته اعتراف، وتصفيقه اكتمال الدائرة بين الحكاية ومن يتلقاها.

ومع الزمن، لا يبقى الجمهور على حاله؛ إذ يتدرّج من متلقٍ عابر إلى متذوقٍ واعٍ، تصقله التجارب وتشكّله العروض، فيتعلم كيف يقرأ الإشارة قبل أن تُقال، ويفهم الصمت قبل أن يُكسر، ويُدرك أن ما يحدث أمامه ليس مجرد حكاية، بل بناءٌ جماليّ تتقاطع فيه الفكرة مع الأداء مع الرؤية. وحين نلتفت اليوم إلى واقع الجمهور في المملكة العربية السعودية، فإننا لا نرى مجرد حضور متزايد، بل نلمح تحولًا عميقًا في الوعي والذائقة؛ جمهورًا لم يعد يكتفي بأن يُدهَش، بل يريد أن يفهم، ولم يعد يصفق لكل ما يُعرض، بل يختار متى يمنح صمته ومتى يمنح صوته. لقد أسهم الحراك الثقافي المتسارع وتنوع العروض في تشكيل هذا الوعي، فصار المشاهد أكثر جرأة في التفاعل، وأكثر دقة في الحكم، حتى باتت الخشبة تُخاطب عقلًا حاضرًا لا عينًا متفرجة فقط.

ولأن الجمهور لم يعد بسيط التلقي، فإن على المسرحي أن يعيد التفكير في أدواته؛ فالتفاعل لا يُفرض، بل يُبنى بعناية. يبدأ ذلك من صدق الفكرة، إذ لا يمكن لجمهور واعٍ أن يتفاعل مع طرحٍ سطحي، ويمتد إلى بناء الإيقاع داخل العرض، حيث تتوازن لحظات الصمت والانفجار، فلا يملّ المتلقي ولا يُستنزف. كما يراعي المسرحي قرب اللغة من وجدان الجمهور دون التفريط في جماليتها، ويحرص على وضوح الرؤية الإخراجية بحيث تقود المتلقي دون أن تُصادر تأويله. ولا يقل أهمية أداء الممثل، فالجمهور يتفاعل مع الصدق قبل المهارة، ومع اللحظة الحية قبل التقنية. ثم تأتي المفاجأة بوصفها عنصرًا حاسمًا؛ تلك اللحظة التي تكسر التوقع وتوقظ الانتباه، فتُعيد شدّ الجمهور إلى قلب الحدث. كل ذلك يجعل من العرض مساحة حوار غير منطوق، يشعر فيه الجمهور أنه ليس متلقيًا فحسب، بل شريك في تشكيل المعنى.

وفي هذا السياق، يبرز دور الهيئة العامة للترفيه بوصفها أحد المحركات الأساسية لصناعة هذا الجمهور المتفاعل؛ إذ لم تكتفِ بتقديم الفعاليات، بل أسهمت في إعادة تعريف علاقة المجتمع بالمسرح. فمن خلال دعم العروض، وتنويع المواسم، واستقطاب التجارب المحلية والعالمية، خلقت بيئة يرى فيها الجمهور المسرح خيارًا طبيعيًا ضمن حياته الثقافية. كما أن جهودها في التنظيم الاحترافي والتسويق الجاذب أسهمت في كسر الصورة النمطية عن المسرح، وجعلت الحضور تجربة متكاملة لا تقتصر على العرض نفسه، بل تمتد إلى ما قبله وما بعده. ومع هذا الاتساع، بدأ الجمهور يكتسب خبرة تراكمية، جعلته أكثر وعيًا وتطلبًا، وأكثر قدرة على التفاعل الحقيقي.

إن المتأمل اليوم في القاعة المسرحية داخل المملكة العربية السعودية يلحظ هذا التغير بوضوح؛ فالجمهور أصبح شريكًا خفيًا في الإخراج، يرفع إيقاع العرض حين يندمج، ويكشف ضعفه حين يتراجع، ويمنح الممثل طاقة لا تُدرّس ولا تُصطنع. لم يعد الجمهور ذاك الذي يُقاد، بل أصبح من يقود أحيانًا، يفرض حضوره، ويعيد تشكيل التجربة لحظة بلحظة. وهنا تكمن المفارقة الجميلة: فكلما ازداد وعي الجمهور، ازداد عبء المسرح، لأن التحدي لم يعد في تقديم عرضٍ يُرضي، بل في تقديم عرضٍ يستحق.

وهكذا، لم يعد السؤال: كيف نجذب الجمهور؟ بل أصبح: كيف نرتقي به ونرتقي إليه؟ لأن جمهور اليوم، في المملكة العربية السعودية، لم يعد ينتظر المسرح ليمنحه المتعة فحسب، بل ينتظر منه أن يلامسه، أن يوقظه، وأن يترك فيه أثرًا… أثرًا يبقى بعد أن تُطفأ الأنوار، ويظلّ حاضرًا كما لو أن العرض لم ينتهِ بعد.

أ.أماني الزيدان

 

اماني سعد الزيدان

كاتبة رأي ورواية مسرحية ومشرفة على في ظلال المشهد المسرحي

تعليق واحد

اترك رداً على د.عبدالرحمن الوعلان إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى