كُتاب الرأي

*هل بدأ السلام؟*

*هل بدأ السلام؟*

*رؤية تحليلية إستراتيجية*

*شغل العالم طوال أكثر من 【(100) يوم】 بمتابعة الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة وما رافقها من عمليات عسكرية وضغوط سياسية واقتصادية ومخاوف متزايدة على 【أمن الطاقة والملاحة الدولية】. أما اليوم، فقد انتقلت الأنظار من متابعة أخبار التصعيد إلى متابعة خبر مختلف تماما؛ إعلان التوصل إلى 【مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران】، وسط ترحيب إقليمي ودولي واسع، ووسط آمال بأن تمهد هذه الخطوة لمرحلة أكثر استقرارا في الشرق الأوسط.*

*وتزداد أهمية هذا التطور مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني / شهباز شريف التوصل إلى الاتفاق وتوجيهه الشكر للمملكة العربية السعودية ودولة قطر والجمهورية التركية على ما قدمته من دعم لجهود التهدئة والحوار. كما حملت عبارة الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب: 【دعوا النفط يتدفق】 رسالة سياسية واقتصادية تتجاوز بعدها النفطي المباشر، لتشير إلى رغبة الأطراف في إعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة وطرق التجارة الدولية والممرات البحرية الحيوية.*

*لكن أهمية مذكرة التفاهم لا تكمن في توقيعها فقط، بل في الظروف التي قادت إليها. فبعد أشهر طويلة من المواجهة، أدركت الأطراف المختلفة أن 【كلفة استمرار الأزمة أصبحت أعلى من كلفة البحث عن تسوية سياسية】. كما كشفت الحرب حدود القوة العسكرية عندما تنفصل عن الأهداف السياسية القابلة للتحقيق، وأكدت أن الاستقرار الإقليمي لا يصنعه طرف واحد مهما بلغت قوته، بل تصنعه شبكة معقدة من المصالح والتوازنات والحسابات الاستراتيجية.*

*أما داخل إيران، فقد تراكمت الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بصورة متزايدة، في وقت كانت فيه واشنطن تواجه بدورها تحديات مرتبطة بكلفة استمرار المواجهة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والأمن الإقليمي. ولهذا فإن مذكرة التفاهم لم تولد لأن الخلافات انتهت، بل لأن 【كلفة استمرارها أصبحت أكبر من كلفة إدارتها سياسيا】.*

*كما أظهرت الأزمة أن 【أمن الخليج العربي واستقرار الممرات البحرية الدولية】 لا يمثلان مصلحة إقليمية فحسب، بل مصلحة عالمية ترتبط بها أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الاقتصاد الدولي بأكمله. ولهذا تزايدت الضغوط الدولية والإقليمية للوصول إلى مخرج سياسي يمنع استمرار الاستنزاف ويعيد التوازن إلى المنطقة.*

*ومن الصعب فهم الكيفية التي وصلت بها الأطراف إلى مذكرة التفاهم دون التوقف مطولا عند 【الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية طوال الأزمة】. فالمملكة لم تكن مجرد طرف داعم للتهدئة، بل مثلت 【مركز الثقل السياسي والاستراتيجي】 الذي ارتكزت عليه جهود الاستقرار الإقليمي خلال مرحلة اتسمت بدرجة عالية من التعقيد والحساسية.*

*فبحكم مكانتها الدولية وثقلها السياسي والاقتصادي، وبوصفها الدولة الأكثر ارتباطا بأمن الخليج العربي واستقرار أسواق الطاقة العالمية، امتلكت المملكة مصلحة مباشرة في منع اتساع دائرة الصراع، لكنها في الوقت ذاته امتلكت القدرة على التحرك والتأثير. ولهذا لم يقتصر دورها على متابعة الأحداث أو الدعوة إلى التهدئة، بل امتد إلى 【قيادة جهد سياسي وإقليمي متواصل】 هدفه إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع انقطاع مسارات التواصل بين الأطراف المختلفة.*

*كما أن مكانة المملكة بوصفها الحليف الاستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، منحتها قدرة فريدة على المساهمة في 【تهيئة البيئة السياسية التي أصبح فيها التفاهم ممكنا】 بعد أشهر طويلة من التصعيد. ومن هذا المنطلق اكتسبت الجهود الباكستانية زخما إضافيا، مستفيدة من مناخ إقليمي أكثر استقرارا وفرته التحركات السعودية والخليجية المتواصلة.*

*كما قادت المملكة، بالتنسيق مع أشقائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سياسة اتسمت بالحكمة والاتزان وضبط النفس، ونجحت في إبقاء المنطقة بعيدة عن الانزلاق إلى مواجهة أوسع كانت كفيلة بإحداث اضطراب كبير في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية. وقد أثبتت الأزمة أن النفوذ الحقيقي لا يقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل بالقدرة على 【تحويل ذلك النفوذ إلى استقرار فعلي يخدم المنطقة والعالم】.*

*ومن هذه الزاوية برزت المملكة بوصفها 【القائد الإقليمي الأهم بمنطقة الشرق الأوسط وذلك في إدارة مرحلة ما بعد التصعيد】، والدولة الأكثر قدرة على الجمع بين متطلبات الأمن الإقليمي ومصالح الاقتصاد العالمي ومتطلبات الحل السياسي.*

*وحين كانت المدافع تتحدث، كانت 【الدبلوماسية السعودية ترسم الطريق إلى ما بعد الحرب】.*

*ولعل أهم ما كشفته هذه الأزمة أن 【الاستقرار الإقليمي لم يعد نتاج توازن القوة وحده، بل نتاج توازن الحكمة أيضا】. كما أثبتت أن الدول التي تنجح في بناء الجسور بين الخصوم قد تؤدي أحيانا دورا لا يقل أهمية عن دور الأطراف المنخرطة في الصراع نفسه.*

*ويبقى الحكم الحقيقي على مذكرة التفاهم مرهونا بقدرتها على الصمود وتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع عملي ومستدام. فالتاريخ مليء باتفاقات أوقفت المعارك لكنها لم تنه أسبابها، كما أنه مليء بتسويات نجحت في تحويل الصراع إلى منافسة سياسية أقل كلفة وأكثر استقرارا.*

【*الحروب تصنع العناوين، لكن الاتفاقات هي التي تعيد رسم الخرائط السياسية*】.

*وعندما يكتب المؤرخون مستقبلا قصة هذه المرحلة، فلن يتوقفوا عند تفاصيل مذكرة التفاهم وحدها، بل عند البيئة السياسية التي جعلت الوصول إليها ممكنا. وفي صدارة تلك البيئة ستبرز المملكة العربية السعودية بوصفها 【القوة الإقليمية التي قادت جهود التهدئة، وحافظت على التوازن، وأسهمت في تحويل مسار الأحداث من منطق المواجهة إلى أفق التفاهم】.*

*قد تنتهي الحروب بتوقيع اتفاق، لكن 【السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف أسباب الحرب نفسها】.*

【*والتاريخ يتذكر من صنع السلام أكثر مما يتذكر من أشعل الحروب*】.

كتبه:
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الاثنين ( 15 ) يونيو 2026م*.

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.