أقلام ناشئة

بصير الأعمى

بصير الأعمى

يُحكى أنه في يوم من الأيام، عاش رجل أعمى يُدعى “بصير” في مدينة قديمة، فقد بصره منذ صغره بمرض أصابه، لكنه لم يفقد يومًا حبه للحياة، وكان يعمل عند تقاطع طرق المدينة، يساعد المارة على عبور الطريق المزدحم مقابل بضع قروش يكسب بها قوته.
سخر منه بعض المارة أحيانًا، وقالوا: “كيف لأعمى أن يُرشد المبصرين؟” لكن بصيرًا كان يعرف كل حجر وكل منعطف في ذلك التقاطع بدقة متناهية، أدق حتى من كثير ممن يملكون أبصارهم لكنهم لا ينتبهون لما حولهم، فقد عوّض فقدان عينيه بحاسة سمع مرهفة، وذاكرة قوية لتفاصيل المكان.
في يوم من الأيام، اندلع حريق كبير في أحد أسواق المدينة القريبة من تقاطعه، فامتلأ المكان بالدخان الكثيف الذي أعمى حتى المبصرين، فلم يعودوا يميزون طريق الخروج من شدة الدخان والفوضى. بينما كان الجميع يتخبطون في الظلام الدخاني هالعين، ظل بصير هادئًا، فالظلام لم يكن جديدًا عليه، بل كان عالمه المعتاد الذي أتقن التحرك فيه طوال حياته.
بدأ بصير ينادي الناس بصوته القوي، ويُرشدهم بدقة نحو المخرج الصحيح بعيدًا عن الدخان، معتمدًا على معرفته الدقيقة بكل زاوية في المكان، والتي لم تتأثر بالدخان كما تأثرت أعين المبصرين. أنقذ بصير عشرات الأشخاص ذلك اليوم، بينهم من كان يسخر منه سابقًا، وأصبح بطلاً حقيقيًا في نظر أهل المدينة كلها.
بعد الحادثة، قال أحد كبار التجار الذين أنقذهم بصير: “لطالما ظننا أن العمى ضعف، لكننا اكتشفنا اليوم أن هناك بصيرة أعمق من البصر نفسه، بصيرة القلب والخبرة والهدوء وسط الفوضى”. من ذلك اليوم، أصبح بصير يُكرَّم في المدينة، لا كأعمى يحتاج للشفقة، بل كرجل حكيم يملك بصيرة نادرة لا يملكها كثيرون.

رغد ماجد اللطيفي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.