حين نخاف على الوطن… لأننا نحبه

حين نخاف على الوطن… لأننا نحبه
بقلم: هيا الكريديس
ليس كل خوفٍ ضعفًا، فبعض المخاوف تولد من شدة الحب، وبعض القلق يسكن القلب لأن ما نخشى عليه ليس شيئًا عابرًا في حياتنا، بل هو الحياة بكل ما تحمله من أمانٍ وذكريات وأحلام. هكذا هو الوطن؛ حين نحبه بصدق، لا نكتفي بالفخر به، بل نخاف عليه، ونترقب ما يمس أمنه، وندعو الله أن يبقيه شامخًا آمنًا مطمئنًا.
الوطن ليس حدودًا جغرافية مرسومة على خارطة، ولا اسمًا نردده في المناسبات، بل هو شعور عميق بالانتماء، وطمأنينة تسكن أرواحنا، وبيتٌ كبير نلوذ به بعد الله، ونحلم في ظله بمستقبل أبنائنا. هو الأرض التي احتضنت خطواتنا الأولى، والسماء التي رفعت إليها أمهاتنا الدعوات، والمكان الذي نريد أن يبقى آمنًا مهما اضطربت من حوله الظروف.
وطني المملكة العربية السعودية، وطن الخير والعطاء، وموطن العز والشموخ، وطنٌ نعتز بالانتماء إليه، ونفخر بما ينعم به من أمن واستقرار، ونحمل تجاهه محبةً لا تختصرها الكلمات. وحين تتوالى الأحداث من حولنا، وتتزاحم الأخبار في شاشاتنا، يصبح الدعاء له أكثر حضورًا، ويصبح القلب أكثر تعلقًا بسلامته، لأننا ندرك أن نعمة الأمن ليست أمرًا عاديًا، بل هي من أعظم النعم التي تستحق الحمد والمحافظة.
إن الخوف على الوطن لا يعني الاستسلام للقلق، ولا الانسياق وراء الأخبار المتداولة، بل يعني أن نكون أكثر وعيًا ومسؤولية، وأن نتحرى الحقيقة قبل أن ننقلها، وألا نمنح الشائعات مساحةً تهدد طمأنينة المجتمع. ففي أوقات التحديات، تظهر قيمة المواطن الواعي، الذي يعرف أن كلمته مسؤولية، وأن نشر المعلومة غير الموثوقة قد يضر أكثر مما ينفع، وأن المحافظة على أمن الوطن تبدأ أيضًا من الوعي وحسن التصرف.
وحب الوطن لا يُقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف؛ لا يُقاس بكثرة العبارات، بل بما نقدمه من عملٍ وإخلاص، وما نغرسه في أبنائنا من قيم الانتماء والوفاء، وما نبذله من أجل أن يبقى مجتمعنا متماسكًا، قويًا، مطمئنًا. فالأوطان لا يحميها الحب في القلوب وحده، بل يحميها، بعد توفيق الله، الوعي والعمل والتكاتف، والالتفاف حول قيادتها، والثقة بالجهود التي تبذل لحفظ أمنها واستقرارها.
وكلما تأملت معنى الوطن، أدركت أن أعظم ما يمكن أن نملكه ليس وفرة الأشياء، بل أن ننام وقلوبنا مطمئنة على أهلنا، وأن يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم آمنين، وأن نمضي في أعمالنا وأحلامنا دون خوف. تلك التفاصيل التي قد نعدها عادية هي في حقيقتها نعم عظيمة، لا يعرف قيمتها حق المعرفة إلا من أدرك أن الأمن أساس الحياة الكريمة.
يا وطني، إن خوفنا عليك ليس إلا وجهًا آخر لمحبتنا لك، وإن دعواتنا لك تنبع من قلوب تعرف قدرك، وتدرك أن عزتك من عزنا، وأن استقرارك هو الطمأنينة التي ننشدها لأبنائنا وأجيالنا القادمة.
نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية من كل سوء، وأن يديم عليها أمنها وأمانها، ويحفظ قيادتها وجنودها وشعبها، ويرد عنها كل مكروه، ويجعل رايتها عاليةً خفاقة، وأرضها عامرةً بالخير والرخاء.
سيبقى الوطن في القلب دعاءً لا ينقطع، وحبًا لا يتبدل، وأمانةً تستحق منا الوفاء. وسنبقى نحبه في أيام الرخاء، ونزداد تمسكًا به في أوقات التحديات؛ لأن الأوطان التي تسكن الروح لا يغادرها الخوف عليها، ولا ينطفئ حبها مهما تغيرت الظروف.
كاتبة رأي
