كُتاب الرأي

بين أيديولوجيا الملالي وحصانة الوطنية

بين أيديولوجيا الملالي وحصانة الوطنية

محمد العيسى 

لا شك أن السلوك السياسي الإيراني، واعتداءاته الممنهجة التي طالت أمن الخليج العربي، قد استفزت كل نفس مسلمة غيورة ، فبينما تدعي طهران أنها “جمهورية إسلامية” تأتي أفعالها لتناقض شعاراتها؛ والحقيقة الصارمة هي أن هذه المنظومة أشبه ما تكون بـ “المستنقعات الأيديولوجية الآسنة التي تدعي الطهارة”. وأعتذر للقارئ، فهذا هو “فقه الواقع” لنظام لا يمكن تجميله بكلمات منمقة أو دبلوماسية رقيقة.
بيد أن الواجب الأخلاقي يقتضي تفكيك المشهد بعيدًا عن “التعميم” الذي طال العامة من الشيعة، حيث برز تيارٌ ظُلم من جهتي “الظالم والمظلوم”. ولإحقاق الحق، لا بد من تصنيف المدارس الشيعية وفق تمايزها الحقيقي:
1. المدرسة الأصولية (التقليد الاجتماعي)
هؤلاء هم “أهل العبادة!”؛ لا يعنيهم من يحكم بقدر ما يعنيهم توافق شؤون حياتهم مع “المرجعية” ليس لديهم طموح سياسي، وغالبية هذا التيار تتبع مرجعية “السيستاني”. ومع ذلك، وقعت مرجعيتهم ضحية استغلال مدرسة “ولاية الفقيه” عبر إنشاء ما يُسمى بمليشيا “الحشد الشعبي” لإنهاء وجود داعش، قبل أن يتحول الأخير إلى كتيبة من كتائب الحرس الثوري لمهاجمة وطنه.
2. المدرسة الإخبارية (الانتظار الروحي)
تيار لا يكترث بموازين القوى السياسية، همهم اتباع مرجعيتهم (أمثال الميرزا والأحقاقي) بانتظار “الإمام الغائب”. بالنسبة لهؤلاء، أي حراك سياسي قبل “الظهور” هو عبث لا طائل منه، وهم منغمسون روحيًا في تمجيد رؤوس مرجعياتهم بديباجات وصفية مفرطة، وهو ما يوضح حجم الانغماس العاطفي لأتباع هذا التيار.
3. مدرسة ولاية الفقيه (عقيدة “عقدة صدام” وتسييس الغائب والغيب)
عند التأمل في هذه المدرسة، نجد أنها صنيعة “صدمة تاريخية”؛ فقد تشكل وعي قادتها تحت وطأة ما فعله بهم صدام حسين، فمن رحم تلك الهزيمة والإنهاك ولد نظام مهووس بـ “البقاء” لقد صنعوا جيشًا نظاميًا يوازيه حرس ثوري، وباسيج يوازيه شرطة، وفق استراتيجية “الفسيفساء المستقلة”
بُني هذا النظام لتعمل أجهزته باستقلالية حتى لو قُطع رأسه، متبنيًا استراتيجية “قضم الأطراف” ولتمرير هذا المشروع يتم استدرار عواطف العوام عبر تصوير الخصوم السياسيين (مثل ترامب أو نتنياهو) في صورة شخصيات تاريخية كـ “يزيد بن معاوية ” أو “الشمر بن ذي الجوشن” إنها منظومة تعاني من “شيزوفرينيا” واضطراب في الوعي التاريخي؛ حيث تُستخدم العقيدة كأرضية لممارسات براغماتية توسعية، تقوم بتفخيخ مفهوم الدولة لدى أتباعها وتدغدغ مشاعرهم بتشريعات تتناقض مع أبسط قيم الفقه الإسلامي الحقيقي والمفارقة ان اصحاب المدرستين الأولى و الثانية يرون هؤلاء خوارج خرجوا عن حقيقة المذهب.
4. “الوطنيون” (الفئة المظلومة بين سندانين)
هؤلاء هم “الأقلية المنسية”؛ ظُلموا من المدارس السابقة لأنهم كفروا بتبعية الخارج واختلافهم الفكري عنهم في الكثير من الثوابت، وظُلموا من العامة الذين وصموهم بـ “الروافض” بجرة قلم، هؤلاء ولاؤهم لوطنهم، يأكلون مع أخيهم “السني” من ذات الإناء، لا يشتمون ولا يغالون ويبنون أوطانهم، تكمن مشكلتهم أنهم إن تحدثوا كفرهم مجتمعهم، وإن صمتوا أُلصقت بهم مخازي المدارس المتطرفة.

الخاتمة: حقيقة الصراع.. ومصير الأقنعة
إن نظام الملالي لم يتعلم من الحرب السلام، بل تعلم كيف يصنع نظامًا “هجينًا” يحميه من السقوط، محولاً المذهب إلى “درع بشرية” و”وقود” لمطامعه. إن الاستمرار في “شيطنة” الشيعي الوطني هو أعظم هدية تُقدم لهذا النظام الذي يقتات على الإقصاء ليختطف المذهب ويحوله إلى حقيبة دبلوماسية لمصالحه.
والرد المزلزل ليس بمهاجمة الطوائف، بل باحتواء “الوطنيين الشرفاء” لقد حان الوقت ليدرك الجميع أن تربة “الوطن” أطهر من أن تُدنس بتبعية “مرشد” يبيع الوهم، و أن الوطنيين هم الصخرة التي ستتحطم عليها أحلام الإمبراطوريات الزائفة التي تعيش على ذكريات الهزائم القديمة.

كاتب رأي

 

محمد العيسى

كاتب رأي

‫2 تعليقات

  1. مقال استثنائي في توقيته ومضمونه
    الوطن أطهر من تبعية مرشد.. هذه هي القاعدة التي يجب أن تُبنى عليها
    شكراً للكاتب محمد العيسى على هذا الوضوح في الرؤية والجرأة في الطرح

  2. ماشاء الله تبارك الله
    المقال ملفت للانتباه وجاي بوقت حساس مرة بالنسبة لي أضاف معلومات ماجات على بالي التفت لها
    الكاتب ماشاء الله تبارك الله أبدع في التحليل والربط بشكل مذهل

اترك رداً على أمل العلي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى