كُتاب الرأي

وظائف بلا ضمير

وظائف بلا ضمير

محمد الفريدي

التربيةُ في منازلنا ليست دروسا تُتلى في مرحلة الطفولة ثم تُنسى عند أول مواجهة مع الحياة، بل هي منابعُ تتدفق منها شخصياتُنا بكل ما فيها من سلوكيات ومبادئ وقيم، وهي المفتاحُ الأول الذي يفتح لنا أبوابَ فهم ذواتنا، ونتعلّم فيها كيف نتعامل مع الآخرين.

وكيف نواجه الصعوبات التي تعترض طريقنا، سواء في محيطنا الشخصي أو في نطاق عملنا؛ فبيوتُنا ليست مجرد أربعةِ جدران تجمعنا تحت سقف واحد، بل هي مصانعُ هادئة تُصهَر داخلها المعادنُ الخام لتخرج شخصياتُنا متينة أو هشّة، صلبة أو رخوة، أو حتى شخصياتٌ لا تستحق الحياة.

ومن رحم هذا المحيط تتكوَّن مواقفُنا وتتجذَّر أخلاقُنا، ونتعلّم كيف نتصرف حين نمتلك السلطة، وكيف نرد حين يعارضنا الآخرون، ونتعلّم أن كلمتنا أمانة، وأن عملنا أكبر من أن يُختزل في رواتبنا آخر الشهر.

فالذي نشأ في بيت يعرف معنى النظام، لن يماطل في أداء واجبه، ولن يهرب من مسؤولياته، والذي شبَّ في أسرة تدرك أن الوقت قيمةٌ لا تُشترى، لن يتأخر عن دوامه، ولن يبرّر تقاعسه بأعذار واهية.

أمّا الذي تربّى على أن الكذب لا يُبرَّر، فسيكبر ويصبح موظفا صالحا يدرك أن تزوير البيانات كذبٌ رسمي، وأن التلاعب بالأرقام والعبارات جريمة لا تختلف كثيرا عن سرقة المال العام.

والأب الذي يغضّ الطرف عن أخطاء أبنائه أو يدافع عنهم رغم علمه بها، إنما يزرع فيهم بذرةَ الفساد الإداري القادم، لأن أبناءه حين يدخلون المعترك الوظيفي سيحملون تلك العادة معهم، وسيتعاملون مع الأخطاء وكأنها حقّ مكتسب، ويبرعون في تبرير تقصيرهم في كل مرة باسم (الظروف).

لقد رأيتُ بأم عيني، على مدى سنوات عملي الطويلة، نماذجَ عدة من الزملاء لا يشبه أحدُهم الآخرَ، ومع مرور الوقت أدركتُ أن الفارق بينهم لم يصنعه التعليم، ولا المناصب، ولا الدورات التدريبية، بل البيوت التي جاؤوا منها.

فالموظف الذي تربّى على الصراحة والاستقامة في صغره يحملها معه كالهواء الذي يتنفّسه، ولا يحتاج إلى لوائح تُحذّره من التزوير والتلاعب والتدليس، ولا إلى نظامٍ يهدّده بالفصل.

أمّا من نشأ في بيئة مفكّكة تتغافل عن أخطائه وتُمجّد اللفَّ والدوران والالتفاف على الحقائق، فتجده ماهرا في إخفاء تقصيره وتجميل تقاعسه، يعيش على هامش الوطن دون أن يشعر أنه يرتكب خيانة عظمى لوطنه في كلِّ يوم.

إنّ مؤسساتِنا الحكومية، مهما وضعت من الأنظمة ومهما شدّدت في الرقابة، لن تنجح في صناعة موظف واحد صالح ما لم يكن هذا الموظف قد تشكّل في بيئة أسرية صالحة.

فقوانينُ الانضباط المهني قد تردع، لكنها لا تخلق الضميرَ الحي الذي نبحث عنه، وقد تستطيع أن تفرض الحضورَ والانصرافَ في الوقت المحدد، لكنها لا تستطيع أن تزرع الإخلاصَ في العمل.

والتهذيبُ الحقيقي يبدأ من البيت، لأن الأسرة هي التي تغرس جذورَ الإخلاص والأمانة في نفوس أبنائها قبل أن تأتي المدرسة لتشرح لهم معناها، وهي التي تُعلّم أطفالَها احترامَ الممتلكات العامة قبل أن يتسلّموا المناصب أو يتحمّلوا المسؤوليات العظيمة.

كان من المؤلم بالنسبة لي أن أرى بعضَ مؤسساتِنا الحكومية تنهار من الداخل، ليس بسبب ضعفِ الإمكانات ولا بسبب ضغوطِ العمل، بل لأن ضميرَ العاملين فيها لم يُبنَ على تربية حقيقية راسخة.

فالفسادُ الإداري لا ينبت فجأة، بل هو نتيجةٌ طبيعيّةٌ لغرس مُهمَل، والموظفُ الذي تعوّد في صغره أن يأخذ ما ليس له بحجّة الحاجة وخفّة اليد والشطارة والفهلوة، لن يتردّد لحظة واحدة إذا كبر في التعدّي على المال العام بحجّة أنّه (حق من حقوقه).

والذي تعوّد منذ نعومة أظفاره أن يُلقي باللوم على الآخرين كلّما فشل، سيجعل زملاءه شماعة لأخطائه، وما أكثر ما عانيتُ من أولئك الذين يجيدون الحديث عن القيم في اجتماعاتنا، ثم ينسفونها عند أول اختبار بسهولة.

والوظيفةُ ليست مجرد راتب ولا مجرد كرسي، بل هي مرآةٌ صافيةٌ صادقةٌ تعكس ما في داخلنا، وحين يدخل المرءُ دائرةَ العمل تنكشف له ذاته قبل أن تنكشف للآخرين.

فالطفلُ الطيّبُ المؤدَّبُ الذي نشأ في بيت يحترم الآخرين، يصبح موظفا متوازنا يعرف حدودَ تعامله، ولا يمنّ على الناس بخدمة يقدّمها لهم، ولا يتسلّط إن امتلك صلاحيات أكبر.

لأن في أعماقه صوتا يقول له: (افعل الخيرَ والصواب لأنك تربّيت على فعلهما في الصغر، لا لأن أحدا يراك أو يراقبك من البشر).

هذا النوعُ من الموظفين لا تصنعه الأنظمة، بل التربية. وقد يكون مسكينا في مظهره، لكنه عظيمٌ في أفعاله، بسيطا في أحاديثه، عميقا في مواقفه.

التربيةُ العائليةُ هي المدارسُ الأولى التي لا ترفع لافتة فوق أبوابها، لكنها تؤثّر في كلّ الميادين، فهي التي تحدّد كيف نتصرف إذا لم يَرَنا أحد، وكيف نملأ فراغَ الدقائق بين الرقابة الذاتية والتسيّب.

ومن تلقّى في بيته دروسا في الكرامة منذ الصغر، لن يتملّق مدراءه لأجل ترقية، ومن تربّى على الصراحة لن يُغلّف أخطاءه بكلمات منمّقة لأجل أن يرضى عنه أحدٌ في الكِبَر.

أمّا من ترعرع في بيت يرى الحيلة شطارة، فسيحمل هذه (الخبرة) معه إلى وظيفته، وسيتعامل مع العمل وكأنه ساحةٌ للمكاسب الشخصية لا مجالٌ لترك الأثر.

حين كنتُ أنظر من حولي، كنتُ أجد أن أزمةَ الأداء الوظيفي في كثير من مؤسساتنا الحكومية ليست أزمةَ كفاءة بقدر ما كانت أزمةَ ضمير، ومن هنا ظهر لي الفرق بين من يؤدي وظيفة ومن يؤدي رسالة.

فالضميرُ لا يُدرَّس في جامعاتنا ولا يُضاف إلى تعاليمِ الموظف الجديد، بل يُزرع منذ الصغر في جلساتنا العائلية، وفي مواقف يراها الطفل بين أبويه وهما يختاران الصدق على مصلحتهما الشخصية، وفي لحظةِ تضحيةِ أم أو صبرِ أب على عمل شريف مهما قلّ مردوده.

فمن تربّى على نقاءِ اليد وعفّةِ النفس، لا يمكن أن يمدّها يوما إلى ما ليس له، مهما أغرته المناصب أو زيّنت له المصالح طريقها.

هذه التفاصيلُ الصغيرةُ هي التي تصنع في المستقبل موظفا لا يخون قسمَه ولا توقيعَه، ولا يبعثر مفهومَ الخدمةِ العامة في زوايا مصالحه الشخصية.

كلُّ بيت مسؤولٌ عمّا يخرّجه لنا من شخصيّات، وكلُّ ابن أو ابنة سيصبح جزءا من نسيج هذا الوطن الكبير، سواء أكان معلّما أم طبيبا أم موظفا أم قائدا يوما ما.

وإذا اختلّت تربيتنا في منازلنا اختلّت المنظومةُ كلّها، فلا يمكننا أن نبني مؤسسات حكومية قوية بعقول متعلّمة فقط، بل بضمائرَ مستقيمة أيضا. فالعقولُ تُخطّط وتُنجز، لكنّ الضمائرَ الحيّةَ هي التي تضمن أن يكون هذا الإنجازُ مستمرا ونزيها.

وما أكثر ما رأينا من مثقّفين وحَمَلَةِ شهادات عليا فشلوا في أوّل امتحان للنزاهة والأمانة، لأنهم لم يتعلّموها في الصغر داخل بيوتهم قبل أن يتعلّموا القوانينَ الجامدة في جامعاتهم.

أنا لا أكتب هذا الكلام من فراغ أو منبر تنظيري، ولا من برج عاجي أو مثالي، بل من تجاربَ وظيفيّة امتدّت لسنوات طويلة، رأيتُ خلالها أشخاصا يصنعون الفرق في كلّ بيئة عمل يدخلون إليها، فقط لأنّهم جاؤوا من بيوت نظيفة طاهرة.

ويمكنك أن تضعهم في أصعب الظروف، ولا يتلوّنون؛ فجودةُ تربيتهم تظهر في كلّ موقف: في صدقهم، وفي تحمّلهم للمسؤولية، وفي تقديرهم لجهود الآخرين، وفي رفضهم لمبدأ (اللي ما يشوفني شي، ما أشوفه شي).

وعلى النقيض، حين ترى مؤسسة حكومية تمتلئ بالشكاوى والتراخي والكذب، فاعلم أن مصدر الخلل ليس فقط في الإدارة، بل في أساس تربوي هشّ تسلّل من بيوتنا إلى مكاتبنا دون رقابة.

لن نستطيع أن نحلّ مشاكلَ العمل ما لم نعد إلى نقطة البداية: التربية. فكلُّ خطةِ إصلاح إداري وكلُّ برنامجِ تطوير وظيفي سيبقى ناقصا ما لم يصاحبه وعيٌ أسري يقوم على زراعة القيم في الصغر لأبنائه لا على ترديدها باللسان فقط.

ونحن بحاجة إلى أسر تفهم أن الاحترام عادةٌ قبل أن يكون توجيها، وأن الأمانة سلوكٌ متراكمٌ لا يُكتسب فجأة بمجرد توقيع عقدِ العمل.

والوطنُ لا يُبنى بالأوامرِ ولا بالعقوبات، بل بتربية تُنبت في النفسِ ضميرا يقظا، وفي العقلِ وعيا، وفي اليدِ إتقانا ونظافة.

ومن يصون كلمتَه في بيته، سيصون ابنه ووظيفته إذا كبر، ومن يُعلّم أبناءه ثقافةَ العطاء، سيمنحون وظائفهم كلَّ ما لديهم دون تردّد إذا كبروا.

يجب أن نتغيّر، فالتربيةُ ليست حكايات قديمة نردّدها على أطفالنا قبل النوم، بل هي مشروعٌ وطني يبدأ من غرفة صغيرة في بيت متواضع، وينتهي إلى نهضة وطنية تُدار بعقول واعية وقلوب أمينة.

والإصلاحُ يبدأ من هناك، حيث يجلس أبٌ وأمٌّ ليعلّما أبناءهما أن العمل في أي موقع شرفٌ، وأن المسؤولية أمانةٌ، وأن خسارةَ المنصب أهون من خسارة الضمير.

وحين نفهم هذه الحقيقة جيدا، يمكن للوطن أن ينام مطمئنا على مؤسساته ومستقبله، لأن موظفيه تربّوا قبل أن يُوظَّفوا، وفهموا قبل أن يُعلَّموا، وآمنوا أن من يخدم وطنه بضمير نظيف هو الذي يكتب بعمله أجملَ سيرة وأصدقَ إنجاز.

وتعزيزُ القيمِ الأسريةِ لا يقتصرُ على الكلامِ أو التوجيهِ المستمرّ، بل يتجسّدُ في المواقفِ اليومية: في طريقةِ تعاملِ الوالدين مع الآخرين، وفي احترامِهم للوقتِ، والتزامِهم بالعهودِ والوعودِ والمواثيق.

فالمثابرةُ على إنتاجِ القدوةِ الصالحةِ من بيوتنا هي التي تُنمّي حسَّنا الوطني، وتغرس في أبنائنا حبَّ العملِ الشريفِ، والقدرةَ على مواجهةِ الصعاب، والتمسّكَ بالوطنِ والمبادئ مهما كانت الظروف.

وكلُّ لحظة تعليمية صغيرة، وكلُّ موقف يراه أطفالُنا في بيوتنا ومدارسنا، يترك أثرا عميقا يدوم معهم طوال حياتهم المهنية.

فهذه الجذورُ الأسريةُ القويةُ هي الضمانُ الحقيقي لاستمرارِ أداءِ مؤسساتِنا الحكوميةِ بفاعلية ونزاهة، وبدونها ينهارُ بناؤنا الوظيفي، وتضيعُ قيمنا، ويصبحُ الأداءُ مجردَ تنفيذ آلي بلا ضمير.

وتفقدُ مؤسساتُنا روحَها، ويخسرُ الوطنُ أعظمَ ما يملكه: روحَ الانتماءِ التي تُحيي مؤسساتِنا، وتمنحها القدرةَ على الاستمرارِ والتجديد دون أن تفقدَ معناها أو رسالتَها أو أبناءَها الأمناء المخلصين.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫3 تعليقات

  1. المقال دقيق وافكاره عميقه جدًا وضحت الأداة التي يمثلها العقل والبوصلة التي يمثلها الضمير وبدون الأخيرة قد يخطط العقل الماهر لفساد منظم
    ما يثير إعجابي وصف التربية كمشروع وطني من ناحية سياسية واجتماعية واقتصادية في آن واحد فلما يرى الطفل والده يحترم الطابور هو هنا يتلقى دورة تدريبية في النزاهة قبل ان يتعرف على كلمة مهنة بمفهومها المجرد ، هذا العمق الإنساني يجعلني كقارئ ومرتبط بالتربية ان أعمل تغذية راجعة Feedback على ممارساتي وتصرفاتي بل والفاظي ووقع أثرها على نفوس ابنائي
    هذه النوعية من الأفكار نحن في أمس الحاجة إليها في وقتنا الحاضر فهي عبارة عن رؤى عميقة في الأمن القومي الأخلاقي وقيمتها الأثر الطيب الذي لا تنخفض قيمته مع مرور الوقت.
    بوركت وسلمت أناملك

اترك رداً على عايض القرني إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى