نقرأ لننجو
نقرأ لننجو
محمد الفريدي
لا أؤمن بأن القراءة هواية تُمارَس على مهل بين فنجان قهوة وآخر، ولا أراها كتبا مدرسية نقرأها تحت ضغط الامتحانات ونطويها مع نهاية العام ونرميها أمام مدارسنا، كما كنا نفعل.
فالقراءة، كما أفهمها، ليست تقليدا ثقافيا ولا زينة ذهنية، بل هي معركة هادئة نخوضها مع جهلنا وسطحيتنا وكسلنا الداخلي، وهي لحظة مواجهة بين ذواتنا والعالم من حولنا، بين ما نعرفه فعلا وما نتوهم أننا نعرفه.
الكتب لا تمنحنا أجوبة جاهزة كما يظن البعض، ولا تضع الحقيقة في أيدينا كما يضع الطبيب الوصفة الطبية، بل توقظ فينا شيئا أخطر: قدرتنا على طرح الأسئلة الصحيحة. والأسئلة الصحيحة ليست تفاصيل هامشية، بل هي مفاتيح رؤيتنا؛ فمن يسأل بعمق يرى بوضوح، ومن يكتفي بالإجابات السريعة يعيش في وهم الفهم والمعرفة.
ومنذ فجر الحضارات، لم تكن القراءة مجرد وسيلة لتكديس المعرفة، بل كانت أداة لتحرير الوعي، والإنسان القارئ لا يكتفي بأن ينظر إلى الواقع كما هو معروض أمامه، بل يحاول أن يرى ما وراءه، وأن يفكك بنيته، وأن ينتقد مسلّماته، وأن يشك في بديهياته. وهنا تكمن قوتها الحقيقية: فهي لا تعلّمنا ماذا نفكر، بل كيف نفكر، وهذه (الكيف) هي الفارق بين عقل تابع وعقل حر.
لكن المشكلة اليوم لا تكمن في نقص المعرفة، بل في كثرتها؛ فنحن لا نعيش في عصر الندرة، بل في عصر الطوفان المعرفي. نصوص لا تنتهي، ومقالات هنا وهناك، ومنشورات، وتعليقات، واقتباسات بعدد حبات (الرز)، وأخبار وعناوين صاخبة وتافهة، وإن قرأت ما تحتها رجوت السلامة العقلية لعقول كتّابها.
ارحمونا، فالإنسان السعودي الحديث أصبح اليوم محاصرا بكمٍّ هائل من الكتب والمقالات والكلمات والأخبار، حتى بات على وشك أن ينفجر؛ يقرأ بعين متعجلة، وينتقل من نص إلى آخر بلا تأمل، كأنه يركض في سباق لا يعرف نهايته.
وهذه ليست نصيحة، بل هي فلسفتي في التعامل مع المعرفة؛ لأن القراءة هي جوهرنا واختيارنا لذواتنا التي نريد أن نكونها، وكل خبر أو مقال أو كتاب نفتحه يفترض أن يترك أثرا خفيا في داخلنا، ويعيد ترتيب أفكارنا، ويحرّك قناعاتنا، ويزرع بذورا قد لا ننتبه إليها الآن، لكنها ستنبت لاحقا في قراراتنا ومواقفنا.
والقارئ الذي لا ينتقي ما يقرأ يترك وعيه عرضة للتشكيل العشوائي، ويفتح كل باب دون أن يسأل إلى أين يقوده هذا الطريق، ويتقبل كل ما يُعرض عليه، فيصبح عقله ساحة مفتوحة لكل فكر.
أمّا القارئ الواعي فيمارس نوعا من السيادة الفكرية، ويسأل نفسه دائما ماذا يريد أن يتعلم، وأي نوع من الأفكار يسمح لها بالدخول إلى عقله، وما الذي يغذّيه فكريا ويرتقي بذائقته.
القراءة ليست مرورا سريعا فوق الكلمات، وليست تصفحا للبحث عن اقتباسات؛ هي غوصٌ في المعاني، وتأملٌ في الأفكار والسياقات، وحوارٌ صامتٌ مع الكاتب، وهي أن نتوقف عند كل جملة ونعيد قراءتها عشرات المرات.
وأن نختلف معها أو نوافقها، وأن نسمح لها بأن تُقلق راحتنا أحيانا؛ فالقراءة الحقيقية هي التي تهز يقيننا، وتدفعنا إلى إعادة النظر في ما اعتدنا عليه، لا عادة نمارسها، بل تحولا نصنعه في داخلنا كلما فتحنا كتاب.
في زمن السرعة، أصبحت القراءة العميقة حملا ثقيلا؛ ونعيش اليوم إيقاعا يقدّس العجلة، ويختصر الفكرة في عنوان، والكتاب في ملخّص من عدة نقاط، والرأي في تغريدة.
لكننا أصحاب العقول القديمة؛ عقولنا لا تنمو بالاختزال، بل بالتأمّل؛ فالقراءة البطيئة ليست تخلّفا عن عصرنا الحديث ولا مُضحكة، بل هي تحدٍّ له، وإعلانٌ بأننا نرفض أن تُختزل عقولنا في مقاطع وتغريدات وملصقات.
ولعل أهم ما تكشفه تجربة القراءة الحقيقية أنها لا تمنحنا معرفة إضافية فقط، بل تعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، فكل قراءة صادقة هي تدريب لنا على التواضع الفكري، وعلى إدراك أن ما نعرفه لا يكفي، وأن ما نجهله أكثر مما نتوقعه بكثير.
ومع تراكم تجاربنا ندرك أن القيمة ليست في كثرة ما نقرأ، بل في عمق ما تتركه القراءة فينا من أثر، وأن ما يبقى في النهاية ليس الكتب التي مررنا بها، بل الإنسان الذي تغيّر فينا بعد كل قراءة.
فحين نختار ما نقرأ بعمق، فإننا نرفض التفاهة، وحين نبحث عن الحقيقة في جذورها لا في سطحها، فإننا نعلن أننا لا نكتفي بالقشور؛ فالتفاهة لا تنتصر علينا بقوتها، بل بكسلنا.
وحين نرضى بالسطحية تزدهر، وحين نطالب بالعمق نُجبرها على الظهور؛ لأن العقول التي تفكر لا تُستدرج بسهولة إلى النوم أو الضجيج.
فبعض الكتب تمرّ بنا مرور الكرام، وأخرى تبقى كعلامات في ذاكرتنا لا تُمحى، فتغيّر طريقة نظرنا إلى الأشياء من حولنا، حتى يصبح اختيارنا لما نقرأ فنا لا مجرد عادة ثقافية، ووعيا يصوغ ذائقتنا ويعيد تشكيل نظرتنا للعالم.
أخطرُ ما قد يُصيبُ مجتمعَنا ليس الجهل الصريح، بل وهمُ المعرفة؛ فالجاهلُ منا قد يعترفُ بجهله ويسعى إلى التعلّم، أمّا من يظنّ أنه يعرفُ كلَّ شيء لأنه يقرأ كثيرا بلا وعي، وشهاداته عليا، فهو في مأزق حقيقي.
يكدّس المعلومات ولا يبني فهما، ويكرّر العبارات ولا يمتلك رؤية ثابتة، وبه انتشرت بيننا ثقافةٌ سطحيةٌ متخفّيةٌ في ثوب الثقافة والمعرفة والشهادات العليا.
ليس كل ما يُقرأ مفيدا، وليس كل ما يُنشر يستحق القراءة؛ فبعض النصوص تستهلك وقتنا (على الفاضي) ولا تضيف إلى وعينا شيئا، وبعضها يملأ رؤوسنا بالصداع والضجيج ولا قيمة لها؛ لذلك فإن الجمع بين القراءة والاختيار ضروري جدا.
وقول (لا) لنص لا يستحق القراءة لا يقل أهمية عن قول (نعم) لكتاب عميق، لأن الوعي الحقيقي لا يُبنى بكثرة ما نقرأ، بل بحسن ما نختار، وبقدرتنا على التمييز بين ما يرفعنا ويسمو بنا وما يشتتنا ويرهقنا.
القراءة ليست مجرد عملية فكرية فحسب ، بل مشروع حياة، وهي رحلةٌ مستمرة نحو فهم ذاتنا والعالم من حولنا، وكل كتاب نقرؤه بصدق يفتح نافذة جديدة في داخلنا، وقد تتغير قناعاتنا، وقد تنضج رؤيتنا، وقد نعيد بها ترتيب أولوياتنا.
لا نبحث في هذا الزمن عن قارئ مثالي، بل عن إنسان أكثر وعيا بذاته، قادر على فهم صوته الداخلي وسط هذا الضجيج الذي لا يرحم؛ تلك هي غايتنا التي تستحق أن تُقرأ من أجلها المقالات والكتب والحياة ذاتها.
فالقراءة لا تغيّرنا بعنف، بل بصمت عميق؛ وتترك أثرها تدريجيا فينا حتى نكتشف بعد سنوات أننا لم نعد ذلك الشخص نفسه، بل أصبحنا أكثر نضجا ووعيا، وأشد قدرة على فهم أنفسنا والبيئة التي تحيط بنا.
وأنا أقولها الآن بوضوح: نحن نقرأ لننجو؛ ننجو من الجهل، ومن التبعية، ومن الذوبان الفكري، ومن أن نقاد بلا وعي، ومن أن تُشكَّل أفكارنا دون أن ندري.
والقراءة هي الوسيلة الوحيدة التي تمنحنا مسافة كافية بيننا وبين الضجيج الذي نراه من حولنا، وتجعلنا أقل انفعالا وأكثر فهما، وأقل اندفاعا وأكثر توازنا، لأنها تعيد ترتيب داخلنا قبل أن تعلّمنا كيف نرى الظواهر من حولنا.
لأن الوعي ليس لحظة سريعة الزوال، بل مسارٌ طويل يتشكل باختياراتنا الصغيرة التي نصنعها كل يوم حين نقرر ماذا نقرأ ولماذا نقرأ وكيف نقرأ، حتى نكتشف في نهاية هذا المسار أننا لم نعد كما كنا، بل أصبحنا نسخة أعمق فهما، وأشد وعيا، وأكثر قدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما يُراد لنا أن نراه.
ولا نقرأ لمجرد أن يُقال عنا (متذوقون للأدب)، ولا نجعل القراءة وسيلة استعراض ثقافي، فالقراءة التي لا تمس حياتنا، ولا تؤثر في سلوكنا، ولا تدفعنا إلى مراجعة أنفسنا تبقى ناقصة، ومقالات الكاتب الحقيقي لا تمرّ بنا مرور الكرام، بل تترك فينا ندبات جميلة وعلامات تدل على أننا تغيّرنا.
فعالمُنا اليوم تتزاحم فيه النصوصُ والوجوه، وتتنافس فيه العناوين على خطف انتباهنا، فننسى أن وقتنا محدود، وأن وعينا أثمن من أن يُهدر، فلا نسمح لأي فكرة أن تدخل عقولنا دون مساءلة، ولا نقرأ لأن الجميع يقرأ، بل نقرأ لأننا نبحث عن الحقيقة، ولأننا نريد أن نفهم، ولأننا نرفض أن نعيش بنصف وعي وبنصف بصيرة ولو لدقيقة.
ولأننا نعلم أننا بلا وعي حقيقي نصبح سريعي الانقياد، قليلي الفهم لذواتنا وللحياة من حولنا، فأول معركة نخوضها بالقراءة هي مع جهلنا بأنفسنا وما نسمح له بأن يُشكِّل عقولنا، وهذه المعركة هي التي تحدد في النهاية من نكون، وكيف نرى أنفسنا، وكيف نعيد تشكيل وجودنا بوعي لا يُستمد من الآخرين.
نقرأ لا لنهرب من واقعنا، بل لنستعد لمواجهته، ولا لننعزل عن الناس، بل لنعمّق حضورنا، ونمنح أنفسنا فرصة عظيمة لرؤية العالم بعيون متعددة، ونعيد اكتشافه في كل مرة من زاوية جديدة.
وبين ضجيج النصوص والمقالات وتزاحم الوجوه، تبقى قناعتي الراسخة واضحة كالشمس: نقرأ… لكن نختار بعناية؛ نختار ما يوسّع أفقنا لا ما يكدّس رؤوسنا، وما يحرّك عقولنا لا ما يخدّرها.
وما يجعلنا أكثر إنسانية ووطنية ووعيا ويقظة وبصيرة، وأكثر قدرة على أن نكون بلا أقنعة؛ فالثقافة، في النهاية، ليست بعدد المقالات والكتب التي قرأناها أو كتبناها، بل بكم إنسان جديد بعد القراءة والكتابة صار فينا.
كاتب رأي




أحسنت،بالمقال والمعنى والحقيقة
كثر الله أمثالك سعادة اخي ابوسلطان
ويعلم الله مقالاتك فيها ابداع وابداع