ملك الصحافة السعودية
ملك الصحافة السعودية
محمد الفريدي
تابعتُ حلقة برنامج (صنوان) على القناة السعودية التي استضافت الدكتورة هند بنت تركي السديري قبل فترة، ولم تكن الحلقة مجرد استعادة لسيرة صحفي كبير، بل جاءت أقرب إلى قراءة إنسانية عميقة في ملامح تجربة ممتدة، وقد أدار اللقاء الزميل المتألق دائما جابر القرني بذكاء لافت.
وكانت الحلقة مساحةَ ضوء أعادت إلينا تركي السديري كما لم نعرفه من قبل: تركي الإنسان قبل أن يكون رئيس التحرير، والأب قبل أن يكون القائد، والمعلّم قبل أن يكون الكاتب، فبدت لي سيرته أقرب إلى حكاية وطن يمشي على هيئة رجل.
كان الحديث حديث ابنة عن والدها، لكنه بدا لي حديثَ الوطن عن ذاكرته الصحفية الأجمل.
أتذكّر موقفا لا يُمحى من ذاكرتي مع الراحل رحمه الله، حين وجّهتُ له خطابا رسميا بصفته رئيس تحرير صحيفة الرياض بعد أن نشر أحد الصحفيين عنده خبرا مغلوطا عن قضية جنائية.
لم يرجع فيه ذلك الصحفي إلى الجهة المعنية بالقضية ولا إلى المتحدث الرسمي، فطلبتُ منه أن يعتذر في المكان نفسه الذي نُشر فيه الخبر، وأن يصحّحه للقرّاء.
ولكن لم تمضِ ساعاتٌ حتى فوجئتُ باتصال من مكتبه، أبلغني خلاله السكرتير بأن تركي السديري على الخط ويرغب في التحدث معي، وكانت لحظة مهيبة مفعمة بالاحترام والتقدير.
تحدّث إلي بصوت هادئ ووقور، وقال كلاما لن أنساه ما حييت، بدأه بالاعتذار نيابة عن الصحفي وعن الصحيفة، وأضاف بالحرف الواحد: (نحن الذين نعتذر لكم، لا الصحفي).
وفي عدد اليوم التالي فوجئتُ باعتذار منشور في الصحيفة مذيل باسمها لا باسم الصحفي المخطئ، وعندها أدركتُ أنني أمام قامة حقيقية لا في الصحافة فحسب، بل في الأخلاق والمروءة والرجولة أيضا.
لقد كبُر تركي السديري في عيني ذلك اليوم كما لم يكبر أحدٌ من قبل، رحمه الله رحمة واسعة، كان مثالا يُحتذى به في التواضع والرقي والصدق المهني.
تركي السديري لم يكن مجرد اسم يتصدّر صحيفة (الرياض)، بل كان مدرسة فكرية ومهنية تركت بصمتها على جيل كامل من الصحفيين والكتّاب، ورجلا عاش تحوّلات كبرى مرّت بها الصحافة والمملكة بوعي ونضوج واتزان وصبر مؤمن.
لم تُغيّر المناصبُ طريقةَ تفكيره، ولم تُغره الأضواءُ ولا الشهرة، بل ظلّ كما هو طوال حياته: بسيطا في مظهره، عميقا في جوهره، يبتسم قبل أن يتحدث، وفي حضوره طمأنينةٌ لا تُصطنع.
ما لفت انتباهي في حديث الدكتورة هند أنها لم تُقدّم والدها بصفته (رمزا مهنيا) فحسب، بل أيضا (الإنسان الذي علّمها أن المعرفة أسلوبُ حياة).
فقد حكت كيف كان يشجّعها على القراءة دون أن يفرضها عليها، ويترك الكتب في متناول يدها، ثم يناقشها فيما تقرأ، وكأنه يقول لها بين السطور: التربية ليست أوامر، بل قدوةٌ صامتة.
كان تركي السديري – كما وصفته ابنته – يرى أن العقل لا يُبنى بالمعلومة الجاهزة، بل بالبحث عنها، وأن الصحفي الحقيقي هو من لا يركض خلف أخبارِ الساعةِ فقط.
بل هو الذي يُحلّلها ويربطها، ويرى ما وراء الظواهر من خفايا الأمور، ويقرأ المشهد بعمق، ويتجاوز العناوين إلى الحقائق.
كانت فلسفته تلك أحد أسرار تميّز جريدة الرياض حين كانت تحت إدارته، فقد كانت الصحيفة في عهده ساحة للتفكير لا مجرد وسيلة لنشر الإعلانات والمقالات والأخبار.
وفي الصحافة الحديثة، قلّ من يستطيع أن يسير بخطٍّ يوازن بين مصلحة المؤسسة الإعلامية ومصلحة المحتوى الفكري، وبين الصرامة المهنية والإنسانية المفعمة بالمشاعر الصادقة.
لكن تركي السديري نجح في الجمع بين الأمرين معا، فقاد المؤسسة الصحفية الأكبر باقتدار، حتى تحوّلت إلى نموذج إداري واقتصادي ناجح، تجاوزت أرباحُها مئاتِ الملايين.
ومع ذلك، لم يسمح يوما بأن تُختزل الصحافة في الأرقام، وكان يقول – كما يروي زملاؤه – إن (الربح الحقيقي هو حين تشعر أن من يعمل معك يحترم المكان لأنه يحترمك)، ولهذا ظلّت بيئة صحيفة (الرياض) في زمنه موئلا للثقة والاحترام.
واللافت في سيرته الصحفية هو إيمانه المبكر بدور المرأة في الإعلام، فلم يرفع شعارات المساواة كشعارات اليوم، ولم يتحدث بلغة التلميع الاجتماعي، بل آمن – من منطلق فكري – أن وجه الحقيقة لا يكتمل إن كُتب بلون واحد، ولذلك أسّس أول قسم نسائي متكامل في الصحافة السعودية، وعيّن أول مديرة تحرير في تاريخها.
ولم يفعل ذلك مجاملة ولا (فرقعة إعلامية)، بل فعله إيمانا منه بأن الفكر لا يعرف جنسا، وأن الكفاءة يمكن أن تأتي على هيئة امرأة أو رجل، لا فرق.
تقول ابنته في اللقاء: أتذكر أن فرحته كانت يوم فوز إحدى الصحفيات السعوديات بجائزة دبي للصحافة، شعر بالفخر كمن فاز هو شخصيا بالجائزة، ويُلخّص ذلك المشهد وحده فلسفته في العمل: أن النجاح الذي لا يتقاسمه مع الآخرين لا يُعدّ نجاحا.
لكن الوجه الإنساني الذي أضاءه حديث هند السديري كان أعمق من الجانب المهني بكثير، فقد تحدّثت عن والد حنون رغم هيبته، وعن رجل يعيش البساطة في كل تفاصيله، ولم يكن يحب المظاهر الكذابة، ويرتدي الملابس التي تُريحه، ويتحدث بما يراه صوابا دون تكلّف.
وفي بيته كما في عمله كان قدوة في الانضباط، وساعة دخوله إلى مكتبه لا تختلف عن ساعته في جلساته العائلية، لأن النظام بالنسبة له احترامٌ للوقت وللأشخاص معا.
تحدّثت ابنته عن نظرته العميقة للمرأة، وكيف شكّلت والدته جزءا مهما من إنسانيته، غرست فيه روح الحنان، لكنها علّمته أيضا كيف يكون قويا بالحق، أما هي فقد رآها امتدادا لوعيه وفكره، ولم يتعامل معها كطفلة، بل كإنسانة تكبر لتفهم وتناقش.
وكان هذا التوازن بين القوة والرقة، بين الحزم والعاطفة، ما جعله أبا مختلفا: يوجّه دون أن يفرض، ويعلّم دون أن يُشعرك أنه يُعلّمك.
ورغم قوّته الظاهرية، كان أكثر وفاء وحنانا مما يظنّ البعض، وحين تروي هند أنه قال لها يوما: (رغم مرور السنين على وفاة أمي، إلا أن طيفها لا يغيب عني يوما)، يمكن أن نقرأ فيها روحا لا تُنسى، فهو رجلٌ يحتفظ بالذكريات كما يحتفظ بالقيم، ولا يبدّلها مع مرور الزمن.
وكزوج، كان تركي السديري شريكا في الحياة لا سيدا فيها، ولم يؤمن بنظرية (الرجل الذي لا يُراجع)، وكان يرى أن المرأة ليست تابعا، بل تكملةَ عقل للرجل كما هي تكملةُ قلب له.
وربما لهذا السبب ظلّ ينظر إلى المرأة في مقالاته ومواقفه بنظرة احترام وتقدير لا برؤية منّة أو وصاية، وكان يحترم عقلها ويثق برأيها ويرى فيها المستقبل الذي يستحق أن يُسمع صوته.
أما في ميدانه الأكبر، الصحافة، فقد كان مدرسة قائمة بذاتها؛ أطلق عليه زملاؤه لقب (ملك الصحافة)، ولم يكن ذلك من فراغ، فقد كان يمتلك حسّا صحافيا نادرا يمزج بين الذكاء والفطرة، وبين وعي المثقف وإصرار الإداري.
كان يختار عناوينه بعناية، ويقرأ ما بين السطور أكثر مما يقرأ السطور نفسها، قليلَ الكلام، لكنه حين يتحدث يصمت الجميع، لأن كلماته تأتي موزونة كأنها خلاصةُ تجربة طويلة مع الحكمة.
ما يميّزه عن غيره أيضا أنه لم يرَ الصحافة مهنة فحسب، بل مسؤولية مصيرية؛ كان يؤمن أن القلم صوتُ المجتمع، وأن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الصحفي هو أن يكتب ما يريد الناس سماعه، لا ما يجب أن يسمعوه.
لذلك ظلّ طوال مسيرته نموذجا للاتزان، لا يميل إلى الاستعراض ولا البهرجة ولا التهويل، ولا يسترضي أحدا على حساب الحقيقة، بل كان يقدّم الموقف المهني على أي اعتبار، ويجعل من الصدق مع القارئ بوصلة لا يحيد عنها أبدا.
لم يكن تركي السديري معلّما لزملائه فقط، بل لجميع من مرّوا تحت إدارته، فقد تعلّموا منه معنى المهنية بالقدوة؛ كان يرفض الصراخ في المكاتب كعادة بعض رؤساء التحرير، ويكتفي بصمت طويل يُشعرك بالعتب أكثر من أي عتاب لفظي.
لكنه حين يرى عملا متقنا يبتسم بتواضع ويقول جملته التي حفظها المقربون منه: (الكتابة الجيدة تشبه الإنسان الصادق، تُرضي ضميرك قبل أن تُعجب الناس).
رحل السديري عن دنيانا، لكن سيرته الخالدة بقيت حيّة في ذاكرة من عرفوه وفي أجيال لم يعاصروه، وتعلّمتُ منه معنى الصحافة النبيلة، فهو من المدرسة التي كتبت قبل أن تعرف (الترند)، وحرّرت مقالاتها قبل أن تخضع للإعجابات وأمزجة المتابعين.
آمن بالكلمة حين كانت مسؤولية، وبالخبر حين كان يُنقَّب عنه بقدر ما يُصاغ، وحافظ على روحه المهنية ونهجه الذي لا يزال يُلهم الأجيال.
لقد كان صاحبَ رؤية لا تتكرر، علّم أبناءه – في البيت والعمل – أن الحياة لا تستحق إلا أن تُعاش بصدق، وأن النجاح لا يكون على حساب الوضوح والمبادئ والقيم.
وكان تواضعه ليس ضعفا، بل إدراكا منه أن الكبرياء الحقيقي ليس في أن يراك الآخرون كبيرا، بل في ألا تحتاج إلى أن تُثبت لهم ذلك.
ما قدّمه برنامج (صنوان) لم يكن مجرد استذكار لتركي السديري، بل استحضارا لعصر من النقاء، عصر كانت فيه الصحافة رسالة تربوية أيضا.
وحين كانت تتحدث هند السديري عن والدها، لم تكن تسرد، من وجهة نظرها، سيرة أبيها وسيرة إعلامي وصحفي فقط، بل كانت ترسم ملامح وطن في هيئة رجل.
تركي السديري جسّد فكرة أن الصحافة ليست مهنةَ العمر فحسب، بل رسالة يعيشها بصدق ويُعلِّمها للآخرين، وكان معلّما في زمن قلّ فيه المعلمون، وأبا في زمن قلّت فيه القدوات.
وكان رئيس تحرير يعرف معنى المشاركة، وإنسانا يقدّم نفسه للناس كما هي، دون تكلّف، وكان مثالا للاتزان والأخلاق، وترك أثره في كل مكان مرّ به، ثم رحل.
لا يمكن أن نلخّص حياة تركي السديري في كلمات، فهو ليس مجرد (رئيس تحرير سابق) لجريدة (الرياض)، بل أحد الذين صنعوا معنى للصحافة السعودية الحديثة، وترك خلفه نهجا من الانضباط والاحترام والوعي، وأثرا لا يُنسى في كل من عرفه أو قرأ عنه.
لقد كتب حياته كما كتب مقالاته: بلا زخرفة ولا مجاملة، بل بالصدق كلّه، ورحل بجسده، لكن فكره لم يرحل، وقد تعلّمتُ منه كصحفي الدرس الأبسط والأعمق: أن أكون إنسانا أولا، ثم صحفيا بعد ذلك.
كاتب رأي



مقالك يحقق قولك الصحفي يجب ان يكون انسان ووفاءك وأشادتك وإطراءك لهذه القامه الاعلاميه يعتبر قمه الوفاء الانساني.