شنسع نعل كليب

شنسع نعل كليب
من مشهدٍ تاريخي إلى رسالةٍ للحاضر
العنود العنزي
هناك عبارات لا نفهم معناها حين نسمعها للمرة الأولى، لكنها تظل عالقة في الذاكرة، تنتظر لحظة أخرى كي تكشف لنا دلالتها.
ومن تلك العبارات «شنسع نعل كليب».
في أواخر الثمانينات، سمعناها في أحد المشاهد التي تناولت قصة كليب. كنا يومها نتابع الحكاية بعين المشاهد الصغير؛ نحفظ المشهد، ونستغرب وقع الكلمات، وربما نرددها دون أن ندرك تمامًا ما وراءها من معنى.
مرت السنوات، وتغيرت الوجوه والأزمنة، وبقيت العبارة في مكان ما من الذاكرة.
ثم جاءت لحظة في أحد المؤتمرات الدولية، فترددت الكلمة من جديد، وإذا بالمشهد القديم يعود فجأة إلى الذاكرة. لم تعد العبارة مجرد جملة قيلت في قصة من الماضي، بل بدت وكأنها تحمل رسالة تصلح للحاضر بكل تفاصيله.
فكم تغيّر العالم، وكم بقيت بعض المعاني ثابتة!
في حاضرنا، نشاهد كيف يمكن للسلطة أن تمنح صاحبها شعورًا بالقوة، وكيف يمكن للمنصب والنفوذ والقدرة على التأثير أن تصنع حول الإنسان هالة توهمه بأنه أكبر من الآخرين.
لكن التاريخ، قديمه وحديثه، يذكّرنا دائمًا بأن القوة شيء، والقيمة شيء آخر.
قد يملك الإنسان سلطة واسعة، وقد يقف في مقدمة الصفوف، وقد تحيط به الأضواء والمواثيق والوفود والمنابر، لكن كل ذلك لا يمنحه بالضرورة قيمة أخلاقية أو مكانة في وجدان الناس.
وهنا تحديدًا تبدو عبارة «شنسع نعل كليب» أكثر حضورًا في زماننا.
ففي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتعلو فيه أصوات النفوذ والمصالح، تبقى هناك أشياء لا تستطيع القوة وحدها أن تنتزعها من أصحابها: الكرامة، والحق، والمبدأ، والنبل.
وقد يظن البعض أن الإنسان الكبير هو من يملك القدرة على فرض إرادته، بينما تكشف الأيام أن العظمة الحقيقية قد تكون في إنسان لا يملك من أدوات القوة شيئًا، لكنه يملك شيئًا أثمن منها جميعًا: أن يقف ثابتًا حين يتراجع الآخرون، وأن يتمسك بحقه حين يصبح التمسك به مكلفًا.
ولعل أكثر ما يجعل العبارة حاضرة اليوم أنها تضع الإنسان أمام حقيقة لا تتغير بتغير المؤتمرات ولا الدول ولا موازين السياسة:
المنصب لا يصنع قيمة صاحبه، والقوة لا تمنح صاحبها نبلًا، والهيبة التي تُبنى على الخوف لا تشبه الاحترام الذي تصنعه المواقف.
نحن اليوم أمام عالم سريع التحول؛ تتبدل فيه التحالفات، وتتغير فيه المواقف، وتتصدر فيه المشاهد أسماء قد تبدو في لحظة وكأنها فوق الزمن.
لكن الزمن نفسه لا يقف لأحد.
وهنا تأتي الذاكرة القديمة لتقول لنا إن الإنسان مهما علا، ومهما امتلك من أسباب القوة، يبقى في النهاية إنسانًا؛ وأن ما يبقى منه ليس عدد الذين خافوه، ولا حجم النفوذ الذي امتلكه، وإنما الأثر الذي تركه في ميزان الحق والكرامة.
لذلك ربما لم تكن عودتنا إلى تلك العبارة مجرد حنين إلى مشهد شاهدناه في طفولتنا.
لقد تغيرنا نحن، فتغير معنى المشهد في أعيننا.
كنا نسمع الكلمات ولا نفهمها، أما اليوم فنراها من زاوية أخرى؛ نراها في عالمنا، وفي واقعنا، وفي مشاهد تتكرر أمامنا بأشكال مختلفة.
فما أكثر من يملكون القوة، وما أقل من يعرفون قيمة الكرامة.
وما أكثر من يستطيعون فرض حضورهم، وما أقل من يستطيعون أن يجعلوا حضورهم محل احترام.
لهذا تبقى بعض الكلمات عصية على النسيان؛ لأنها لا تنتمي إلى زمن واحد.
«شنسع نعل كليب»… عبارة خرجت من حكاية قديمة، لكنها وجدت طريقها إلى حاضرنا لتذكرنا بأن الإنسان قد يكبر في السلطة، لكنه لا يكبر بالضرورة في القيمة؛ وأن أصحاب الحق والكرامة والنبل قد لا يملكون أعلى الأصوات، لكنهم يملكون ما هو أبقى من الصوت: الموقف.
وفي نهاية المطاف، يسقط كثير مما نظنه عظيمًا أمام امتحان الزمن
كاتبة رأي



