حنينٌ إلى ذكرى

حنينٌ إلى ذكرى
حين نقول ذكريات لا أتخيّل صورًا قديمة محفوظة في ألبوم بقدر ما أتخيّل أشياء صغيرة لا تزال تعيش فينا دون أن نشعر، نتذكّر صوتًا مرّ بنا يومًا، مكانًا جلسنا فيه طويلًا، أغنيةً كانت تُشبه أيامنا، رائحةً تعيدنا إلى وقتٍ لم نعد نعيشه، أو حتى كلمةً عابرة قيلت لنا وبقي أثرها أطول مما توقعنا.
الغريب أن كل شيءٍ من حولنا قد يصبح ذكرى،
شارعٌ مررنا به، مقعدٌ جلسنا عليه، نافذةٌ اعتدنا النظر منها، وحتى وقتٌ معيّن من اليوم قد يجعلنا نتذكّر شخصًا أو مرحلةً كاملة من حياتنا، كأن الأشياء لا تنتهي حين تنتهي لحظتها بل تترك شيئًا منها فينا، ثم تنتظر تفصيلًا صغيرًا كي تعود، وأحيانًا أتساءل،
لماذا لا توجد ذاكرةٌ تستطيع أن تُنسينا؟
لماذا لا نستطيع أن نمحو شيئًا بمجرد أننا قررنا ألّا نتذكره؟
ولماذا كلما حاولنا الابتعاد عن ذكرى، وجدناها تختبئ في شيءٍ آخر؟
ربما لأن الذكريات لم تُخلق لتُنسى تمامًا.
ربما جاءت لتعلّمنا شيئًا لا نستطيع تعلّمه ونحن نعيش اللحظة.
تعلّمنا أن بعض الأشياء جميلة، لكنها لا تبقى
وأن بعض الأشخاص قد يكونون جزءًا عظيمًا من حياتنا، دون أن يكونوا جزءًا من نهايتها.
وتعلّمنا، شيئًا فشيئًا، معنى القناعة؛ أن أكون مقتنعة بأن ما مضى قد مضى، وأن بعض الأبواب مهما أحببنا الوقوف أمامها، لن تُفتح بالطريقة نفسها مرةً أخرى،
القناعة ليست أن أتوقف عن الاشتياق، ولا أن أتظاهر بأنني نسيت،
القناعة أن أتذكر، دون أن أنتظر عودة ما أتذكره.
أن أحب ما كان، وأحترم أثره في قلبي، ثم أفهم أن مكانه الحقيقي أصبح في الذاكرة، لا في الحاضر.
وربما أجمل ما تفعله الذكريات بنا أنها تعلّمنا كيف نترك الأشياء دون أن ننكر أنها كانت يومًا عزيزة.
تعلّمنا أن بعض النهايات ليست خسارة، وأن بعض ما لا يعود كان جميلًا لأنه حدث مرة واحده لا لأنه كان مقدرًا له أن يستمر إلى الأبد.
ولهذا حين نقول ذكريات تحمل الكلمة همسةً خفية، همسةً تقول لنا إن شيئًا ما كان هنا يومًا، وإننا كنا أشخاصًا مختلفين حين عشناه، وإن بعض الأشياء لا تعود لكنها تترك فينا أثرًا لا يرحل.
وربما هذا هو معنى الذكريات الحقيقي،
أنها لا تعيد لنا ما فقدناه، لكنها تعيد إلينا نسخةً من أنفسنا كانت تعيشه ثم تتركنا أمام الحاضر، أكثر فهمًا، وأكثر قناعة، وأهدأ قليلًا تجاه كل ما لم يعد لنا.
✍🏻بيلـسـان مسلـط الحـربي
رائعه مبدعه 👏🏻
💞