الأستاذ الدكتور محمد أحمد غنيم

الأستاذ الدكتور محمد أحمد غنيم
عالم الاجتماع الذي جعل من الإنسان المصري ذاكرةً حيةً للمجتمع والثقافة
بقلم: بندر صالح المالكي
ليست قيمة العلماء بما يحملونه من ألقاب أكاديمية فحسب، ولا بما يتولونه من مناصب جامعية، وإنما بما يتركونه من أثر في المعرفة، وما يقدمونه من إسهامات تسهم في فهم الإنسان والمجتمع، وتساعد الأجيال على قراءة حاضرها واستيعاب تحولات مستقبلها. ومن بين الأسماء الأكاديمية التي ارتبطت بدراسة المجتمع المصري وثقافته وتراثه، يبرز الأستاذ الدكتور محمد أحمد غنيم، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية الآداب في جامعة المنصورة، وأحد الأسماء البارزة في ميدان الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية في مصر.
وقد حظيت مسيرته العلمية بتقدير مؤسسي وثقافي، تُوّج بحصوله على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2019، إلى جانب أدواره في الحياة الثقافية المصرية، التي تناولتها الصحافة المصرية في تقاريرها وحواراتها معه.
من دراسة الإنسان إلى فهم المجتمع
تنبع أهمية علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من قدرتهما على تجاوز المظاهر السطحية للحياة اليومية، والنفاذ إلى البنى الاجتماعية والثقافية التي تشكل سلوك الإنسان، وتؤثر في علاقاته الأسرية، وأنماط معيشته، وقيمه ومعتقداته.
وفي هذا الإطار، اتجه الدكتور محمد أحمد غنيم إلى دراسة الإنسان المصري في بيئته الطبيعية والاجتماعية، مستفيدًا من البحث الميداني وملاحظة تفاصيل الحياة اليومية. فلم تكن القرية المصرية بالنسبة إليه مجرد مساحة جغرافية، بل كانت مجالًا غنيًا لفهم العلاقات الاجتماعية، والروابط العائلية، والعادات والتقاليد، وأنماط الإنتاج والعمل، وما يطرأ عليها من تحولات عبر الزمن.
وتشير صحيفة «الجمهورية» المصرية، في حوار نشرته في 27 مارس 2025، إلى أن اهتمام غنيم بالمجتمع المصري امتد إلى دراسات تناولت الضبط الاجتماعي والقانون العرفي، والأغاني الشعبية، وحياة الصيادين، والحرف التقليدية، فضلًا عن اهتمامه بالفلاح المصري وبيئته.
وهنا تتجلى قيمة الباحث الاجتماعي؛ فهو لا يكتفي بتسجيل ما يراه، وإنما يسعى إلى تفسير دلالاته، وربط التفاصيل اليومية بالسياق التاريخي والثقافي الذي أنتجها، لتصبح المعرفة الاجتماعية وسيلة لفهم المجتمع وتوثيق خبراته المتراكمة.
الأنثروبولوجيا.. علم يقرأ تفاصيل الحياة
من القضايا المهمة التي يؤكدها المسار البحثي للدكتور غنيم أن دراسة الإنسان لا تنفصل عن دراسة المؤسسات والنظم التي يعيش في إطارها؛ فالأسرة، والزواج، وعلاقات القرابة، والاقتصاد، والدين، والقانون، وغيرها من مكونات البناء الاجتماعي، تتفاعل فيما بينها لتشكيل ملامح المجتمع وهويته.
وتتضح هذه الرؤية في اهتمامه بتوثيق الأغاني الشعبية، التي يرى فيها مادةً تعكس تاريخ المجتمع وعاداته ومناسباته، وتكشف عن طبيعة العلاقات بين أفراده، فضلًا عن التغيرات التي تطرأ على الأجيال وأنماط الحياة.
فالأغنية الشعبية، في منظور الدراسة الأنثروبولوجية، ليست مجرد تعبير فني للتسلية، بل يمكن أن تكون وثيقة اجتماعية تحمل تصورات الناس عن الحياة والعمل والزواج والأعياد، وتكشف عن جوانب من ذاكرتهم الجمعية التي قد لا تسجلها الوثائق الرسمية.
وفي حواره مع صحيفة «الجمهورية»، تناول غنيم كذلك أهمية دراسة الحرف الشعبية والصناعات التقليدية، مؤكدًا ارتباطها بالبيئات الاجتماعية والموارد المحلية، وبإمكانات تطويرها بما يحافظ على أصالتها ويعزز فرص استمرارها اقتصاديًا.
الفلاح المصري.. حضور في الذاكرة الوطنية
من الموضوعات اللافتة في تجربة الدكتور محمد أحمد غنيم اهتمامه بالفلاح المصري، بوصفه عنصرًا أساسيًا في تاريخ المجتمع المصري وتكوينه الاقتصادي والثقافي.
وقد امتد هذا الاهتمام إلى عمله المعنون «نحت الفأس»، الذي تناول فيه الفلاح وأرضه ومسكنه وأدواته، مستندًا إلى جهد بحثي طويل في جمع المادة المعرفية وتوثيقها. ووفقًا لما ورد في حواره مع «الجمهورية»، استغرق رصده لما كُتب عن الفلاح المصري وأرضه وأدواته أكثر من عشرين عامًا.
وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم من العمل العلمي؛ إذ إن توثيق الحياة التقليدية لا يعني الوقوف عند الماضي أو تمجيده، بل يعني فهم الأسس التي تشكلت من خلالها الخبرات الاجتماعية، وكيف يمكن الإفادة منها في قراءة التحولات الراهنة وصياغة تصورات أكثر وعيًا للمستقبل.
إن المجتمعات التي تحافظ على ذاكرتها الثقافية وتدرسها دراسة علمية تستطيع أن تفهم جذورها بصورة أعمق، وأن تميز بين القيم التي تستحق الاستمرار والممارسات التي تحتاج إلى مراجعة وتطوير.
من الجامعة إلى المجال الثقافي العام
لا يتوقف أثر الأستاذ الجامعي عند قاعات المحاضرات أو الرسائل العلمية التي يشرف عليها، بل يمتد إلى المشاركة في الحياة الثقافية، وتوسيع دائرة الحوار بين الباحثين، وربط المعرفة الأكاديمية بقضايا المجتمع.
وفي هذا السياق، تناولت صحيفة «الأهرام» في تقرير منشور بتاريخ 13 أغسطس 2026 جانبًا من شخصية الدكتور غنيم واهتمامه بالثقافة، مشيرة إلى صفته أستاذًا لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية الآداب بجامعة المنصورة، وعضويته بالمجلس الأعلى للثقافة.
كما أشار حواره مع «الجمهورية» إلى مشروع طموح لإعداد عمل موسوعي بعنوان «وصف مصر الجديدة»، يستهدف توثيق جوانب من المجتمع المصري الحديث من خلال تعاون علمي متعدد التخصصات، إلى جانب اهتمامه بمؤتمرات الثقافة الشعبية العربية والبحث في الإنسان المصري والهوية الثقافية.
وتحمل هذه المشروعات دلالة مهمة؛ فالتوثيق العلمي للمجتمع ليس نشاطًا هامشيًا، بل هو جزء من بناء المعرفة الوطنية، وحفظ الذاكرة الثقافية، وإتاحة مادة علمية للأجيال المقبلة تساعدها على فهم ما شهدته مصر من تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية.
العلوم الإنسانية بين النظرية والتطبيق
تواجه العلوم الإنسانية اليوم تحديًا يتمثل في ضرورة الانتقال من الاكتفاء بوصف الظواهر إلى دراستها بأدوات منهجية دقيقة، تجمع بين التحليل النظري والملاحظة الميدانية والبيانات القابلة للفحص.
وقد تناول الدكتور غنيم هذه المسألة في حواره مع «الجمهورية»، مشددًا على أهمية الإفادة من المناهج العلمية والقياس والإحصاء والاستبيانات في دراسة الظواهر الإنسانية، بما يعزز القدرة على تفسيرها وفهم أسبابها.
وهذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية، حيث تتغير أنماط الأسرة، وتتسع تأثيرات التكنولوجيا، وتبرز أسئلة جديدة تتعلق بالهوية والانتماء والتنشئة الاجتماعية والعلاقات بين الأجيال.
ومن هنا، فإن قيمة الباحث الاجتماعي لا تتمثل في تقديم أحكام عامة على المجتمع، بل في بناء تفسيرات تستند إلى الأدلة، وتراعي اختلاف البيئات الاجتماعية، وتساعد صناع القرار والمؤسسات التعليمية والثقافية على فهم الاحتياجات الفعلية للمجتمع.
إرث علمي يتجاوز حدود التخصص
إن التأمل في تجربة الأستاذ الدكتور محمد أحمد غنيم يقودنا إلى معنى أوسع لدور العالم في المجتمع؛ فالبحث العلمي الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان محورًا للمعرفة، ويمنح التفاصيل اليومية قيمتها العلمية، ويحول العادات والحرف والحكايات الشعبية إلى مادة تساعد على فهم التاريخ الاجتماعي والثقافي.
كما أن الاهتمام بالتراث لا يتعارض مع التحديث، بل يمكن أن يكون أحد روافده، متى جرى التعامل معه بمنهج نقدي يحفظ عناصره الأصيلة، ويتيح تطوير ما يحتاج إلى تطوير، دون الوقوع في أسر الماضي أو الانقطاع عن متطلبات الحاضر.
ومن هذا المنطلق، فإن التجربة العلمية للدكتور غنيم تقدم نموذجًا يستحق القراءة والتأمل، لا بسبب ما حظيت به من تقدير وجوائز فحسب، بل أيضًا لما تثيره من أسئلة حول مسؤولية الباحث في توثيق المجتمع، ودور الجامعة في خدمة محيطها، وأهمية العلوم الاجتماعية في فهم التحولات التي يعيشها الإنسان العربي.
خاتمة: حين يصبح العلم خدمةً للإنسان
إن تكريم العلماء لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بمناصبهم أو جوائزهم، وإنما يمتد إلى التعريف بمشروعاتهم العلمية، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للاستفادة من خبراتهم، وتشجيع البحث الميداني الذي يربط الجامعة بقضايا الناس وتطلعاتهم.
ويظل الأستاذ الدكتور محمد أحمد غنيم، بما قدمه من اهتمام بدراسة الإنسان المصري وثقافته الشعبية وتاريخه الاجتماعي، مثالًا على أهمية التخصصات الإنسانية في حفظ الذاكرة المجتمعية وتفسير التحولات الثقافية.
فالمجتمع الذي يفهم تاريخه، ويدرس واقعه، ويمنح المعرفة العلمية مكانتها، يكون أقدر على بناء مستقبل أكثر وعيًا وتوازنًا. وتلك هي الرسالة التي تمنح البحث الاجتماعي قيمته الحقيقية: أن يكون العلم طريقًا إلى فهم الإنسان، وصون ذاكرته، والإسهام في نهضة مجتمعه.

