كُتاب الرأي

إمَّا أن نكتب بكرامة أو لا نكتب

 

الكاتب الذي يكتب دون أن تكون لكتابته وثقافته كرامةً غالبًا ما يُفْقَدُ مصداقيته، وَتَأْثِيرُهُ على القراء يكون أقل، والسبب وراء ذلك يعود إلى افْتِقَارٌ كتاباته للصدق، مما يجعلها غير قادرة على تَحْفِيزٌ القراء على القراءة، أو إلْهَامِهِمْ بالأفكار الإيجابية.

عندما يكتب الكاتب بهدف إرضاء الآخرين، أو لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الحقيقة، ويتجاهل القيم الأخلاقية، والمعايير الثقافية، يتراجع احترام القراء له تلقائياً، ولا يتم التفاعل مع أفكاره بجدية، ولو كانت أفكاره صحيحة مئة بالمئة، وفي محلها بالفعل.

إن الكتابة التي تفتقر إلى الكرامة الثقافية، لا تترك أثرًا إيجابيًا في نفوس الآخرين، وتقويض الثقة بين الكاتب وقرائه، وكثير من كتاب الرأي والفكر والأدب اليوم، ما إن تقرأ له سطرين، تعرف أنه يكتب أي كلام، أو يكتب بلا كرامة، أو من الكتاب الذين يستحقون المتابعة.

فالكتابة الصحفية ليست سرداً لتراكمات معرفية من الذاكرة فقط، بل هي مزيج من المعرفة والكرامة، وهذه الكرامة، هي من تجعل لمقال الكاتب قوة مؤثرة، وقدرة على إحداث التغيير الحقيقي في المجتمع الذي يحب سماع الحقيقة.

والكتابة التي لا تقترن بالكرامة، هي مجرد سرد لمعلومات خاوية من مقومات الحياة، ولا يهتم بها أحد غالبا في المجتمع، ولكن عندما ترافقها الكرامة، تظهر بشكل مختلف تماماً، وتصبح أشبه بإشعاع له بريق خاص، يظهر في العيون اللامعة، والجباه الوضاءة، والعقول الرزينة، والمواقف الواضحة.

الكتابة ذات الكرامة بصراحة، هي الكتابة التي تجعل السلطة الديكتاتورية تضطرب، ويرفض كاتبها الإنحناء أمام الطغيان والخداع كلما يَشْتَدَّانِ، ويكشف زَيْفُهَا، ويصارع تَلْفِيقُهَا، ويضرب بالنفاق والمداهنة عرض الحائط، ولا يطُبل لها.

والكتٌاب الذين يمتلكون موهبة الكتابة بكرامة، هم من يقفون بثبات أمام العواصف التي قد تعصف بأوطانهم، وَيَتَبَنَّوْنَ قضاياها في أحلك الظروف، وهم من يحملون شعلة التَّنْوِيرُ دون خوف، وَيَفْضَحُونَ بأقلامهم خفافيش الظلام، ويجعلون الحقائق واضحةً أمام الجميع، هؤلاء هم من يُهَدِّدُونَ الأنظمة الإستبدادية، لأنهم يمتلكون رؤية واضحة، وقيم ثابتة، وقادرين على إلهام الآخرين.

ونصاعةٌ الموقف، وجمال العقل، هما صفات الكاتب الذي يَمْزُجُ المعرفة الثقافية بالكرامة، ومواقفه تكون واضحة، لا لَبِسَ فيها، وغير قابلة للتحريف والتأويل، وعقله متزناً قادراً على ممارسة التحليل العميق بالكتابة، هذه الصفات بكل صراحة، تجعل من الكاتب قَائِد طَبِيعِي لقدراته الكتابية ولنفسه، وَقادِراً على دفع الآخرين نحو مستقبل أفضل، وقد وصف هذا النوع من الكتابة، الكاتب الروائي الكبير يوسف إدريس، بأنها حالة من الوعي الْمُرْتَبِط بالكرامة، وهذه الكرامة، هي من تَمْنَحُ الكتابة والكاتب، القوة اللازمة لمواجهة الظلم، والزيف، وتصبح نوراً يُهْدِي البشرية نحو مُسْتَقْبَل أكثر إشراقاً.

إن إدراكنا لأهمية الكتابة الممزوجة بالكرامة، يتجاوز حدود الأفراد ليشمل المجتمعات أيضا، فالمجتمعات التي تعلي من قيمة الكتابة المرتبطة بالكرامة، هي مجتمعات قادرة على النمو، والتطور بشكل مستمر، وَيَتَشَجَّعُ جميع من يعيش فيها على التفكير والإبداع، وتزرع في نفوس أفرادها قيم الحرية، والحق، والعدالة، فالكتابة بكرامة تُعَدُّ البنية التحتية الروحية التي تدعم كافة جوانب الحياة.

نحن نعيش في زمن تَتَدَاخَلُ فيه المعلومات، وَتَتَسَارَعُ فيها الأحداث، مما يجعل من السهل خَلْطٌ الأكاذيب بالحقائق، وهنا يأتي دور الثقافة التي تحدث عنها يوسف إدريس رحمه الله، تلك الثقافة التي تمتلك القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وتعطي الإنسان الأدوات اللازمة، ليقف بثبات أمام رياح التغيير العاتية بعزة وكرامة.

إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا التعليمية، وسياساتنا الثقافية التي نتبعها، ﻭالتركيز على بناء العقول والأقلام المستقلة، القادرة على التفكير بعمق وتحليل المعطيات بموضوعية.

فالثقافة ذات الكرامة، ليست هَدَفًا بعيد المنال، بل هي واقع يمكن أن نُحَقِّقُهُ من خلال العمل الجاد والإرادة القوية، ولا تَتَطَلَّبُ منا إلا أن نكون على قدر كبير من المسؤولية، وأن نعمل على بناء مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة، عند ذلك لن يكون إشعاع ثقافتنا له تأثير في حياتنا فحسب، بل سيمتد ليشمل العالم بأسره، وتنتشر في البشرية مرةً أخرى، ومن هنا، قيم الحق، والعدالة، والسلام، والإنسانية.

محمد الفريدي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى