كُتاب الرأي
داوود الشريان… ماذا قرأنا؟

داوود الشريان… ماذا قرأنا؟
فيصل مرعي الكثيري
ثمة مشهد يتكرر في القراءة عبر منصات التواصل، يدعو إلى ابتسامة خفيفة وتأمل أطول. يمضي النص في اتجاه واضح، بينما تنعطف التعليقات إلى مسارات لا تلتقي معه. كأن الكاتب يكتب عن المطر فيأتي الرد عن ازدحام الطريق. أقرأ التعليقات أحيانا، فأشعر أن الكلمات عبرت العيون سريعا، ثم توقفت عند العتبة؛ فالمعنى يظل على الباب، ينتظر من يفتح له.
وهنا يتسلل سؤال صغير: ماذا قرأنا فعلا؟
القارئ في منصات التواصل لا يقرأ دائما ليصغي؛ يقرأ أحيانا ليجد موضعا للرد. تتحول الفكرة إلى منصة، يقف فوقها ليقول ما أراد قوله منذ ساعات، ويغدو النص مناسبة، كأنه ميكروفون مفتوح في ساحة عامة، يمر به كل عابر، يفرغ ما عنده، ثم ينصرف. وتبرز مفارقات لافتة؛ فالكاتب يعرض فكرة، والقارئ يفتش عن نية، والكاتب يطرح سؤالا والقارئ يجيب عن سؤال آخر، والكاتب يكتب عن المعنى، والقارئ يبحث عن معركة. وهنا يتبدى الخلل في عين المتلقي قبل أن يكون في النص.
يتجلى ذلك في موقف الإعلامي الكبير الأستاذ داوود الشريان؛ إذ كتب تغريدة يثني فيها على أداء الإعلامي الراحل جمال ريان، فانصرف حديثه إلى الجانب المهني، وترحّم عليه من زاوية إنسانية دون أن يتناول مواقفه السياسية. غير أن القراءة اتجهت إلى مسار آخر، ففُهم الثناء على أنه موقف كامل، لا جزئية محددة، وهو ما أثار غضبا واسعا.
المشهد لا يختزل في صواب أو خطأ، بل يكشف زاوية النظر التي يُقرأ منها الكلام.
القراءة في أصلها فعل هادئ، تحتاج لحظة إنصات صغيرة؛ تشبه الجلوس أمام متحدث، تنصت أولا تفهم مسار حديثه، ثم تختار ردك، لكن الكثير من القراء يقفزون إلى التعليق مباشرة، كأن النص إشارة بدء فتظهر تعليقات تبدو وكأنها كُتبت قبل قراءة السطور.
يدخل القارئ وهو يحمل فكرته، فيبحث داخل النص عما يوافقها، فإن لم يجده صنع تفسيرا سريعا يناسبها، لتتحول القراءة إلى حديث داخلي، يناقش فيه القارئ نفسه، بينما يغدو النص مجرد خلفية. لهذا يشعر بعض الكتّاب أنهم يخاطبون جدرانا رقمية؛ تُلقى الفكرة في جهة، وتتناثر الردود في جهات أخرى، كرسالة تُرسل إلى عنوان محدد فتعود أجوبة من مدن لا تعرفها.
وهذا المعنى ليس جديدا على الوعي العربي؛ فقد سجلت سير الفرسان مواقف لافتة في إنصاف الخصم. يُروى عن عمرو بن معد يكرب أنه، وهو في ساحة القتال، سُئل عن أحد خصومه فقال: ((ذاك فارس لا يُشق له غبار)). لم يمنعه الخلاف من الاعتراف بمهارة خصمه، فقد رأى الصفة في موضعها دون أن يخلطها بسائر المواقف. وهذا النوع من الإنصاف ليس خُلقا في القتال وحده، بل مهارة في الفهم كذلك؛ أن ترى القول في حدوده وأن تفصل بين الفكرة وما يحيط بها. وهي أخلاق لا تزال حاضرة حين ينصف الإنسان خصمه، ويزن القول بميزان العدل لا باندفاع الخصومة… وتحية لمن يحفظ هذا الميزان.
ومن هنا تغدو القراءة الحقيقية مهارة نادرة؛ إذ يقترب القارئ الجيد من النص كضيف مهذب، يجلس قليلا، يلتقط الجو العام، ثم يشارك.
ويبقى السؤال الذي لا يغادر: ماذا قرأنا؟
فإن أحسنّا الجواب… استعاد المعنى طريقه.
