*إبقاء الفتيلة مشتعلة*
*إبقاء الفتيلة مشتعلة*
عبدالمحسن محمد الحارثي
إبقاء الفتيلة مشتعلة ليس مجرد تعبير، بل واقع استراتيجي.
من يترك فتنة للغير قد يجدها تعود إليه، مستوية وجاهزة للانفجار الكبير.
القوى الكبرى تتحرك وفق مصالح تتجاوز الزمن، لا تأبه لوعود اليوم ولا غضب الغد.
قديماً كان يُقال: “جوّع كلبك يلحقك” أما اليوم، فالشِباعة والمكافأة تصنع الولاء. عالم اليوم ليس كعالم الأمس، وسياسات الأمس عفى عليها الزمن.
العالم يحتاج إلى استقرار حقيقي، فهو يعزز الاقتصاد وملاءة الدول الكبرى ودول العشرين، ويحد من الانفلاتات التي تصنع أمراء حرب وتغذي دائرة الهرج والمرج.
الانفلاتات الأمنية، والثورات المفتتة، وبيئات الفوضى ؛ تولّد عصبيات وشتاتًا يمتد على طول وخط العرض، فتتحول إلى أخطبوطات عالمية لا يمكن احتواؤها.
الابتزاز السياسي والعسكري لم يعد ورقة رابحة، بل أصبح مسمارًا يُدق في نعش العالم دون معرفة أبعاده.
التاريخ الحديث مليء بالشواهد الواقعية على السياسات الخاطئة التي ظنت أنها محدودة.
التدخل في العراق عام 2003 لإسقاط نظام محدد ؛ تحول إلى فوضى شاملة، فتفجرت صراعات طائفية وأيديولوجية لم يكن أحد يتوقعها، وظهرت جماعات مسلحة متعددة تضاعف تأثيرها على الاستقرار الإقليمي.
في سوريا منذ 2011، محاولات القوى الكبرى توجيه الصراع لصالح طرف دون تقييم كامل للآثار أدت إلى حرب أهلية امتدت سنوات طويلة، وخلقت جيوب نفوذ خارجة عن السيطرة، بما في ذلك صعود الجماعات المتطرفة.
أما اليمن منذ 2015، فقد أظهرت التدخلات الإقليمية ، و أن الفتائل الصغيرة، إذا تُركت بلا إدارة ؛ يمكن أن تتوسع لتصبح أزمة إنسانية وسياسية على نطاق دولي، مع تأثيرات على الأمن الغذائي والطاقة.
في هذا الإطار ؛ تكتسب كلمات ابن خلدون معناها الكامل: “المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب “.
الأطراف الصغيرة أو المحلية تقلد تحركات القوى الكبرى أو تتفاعل معها بسرعة، فتتحول أي فتيلة صغيرة إلى انفجار أكبر من المتوقع، وهذه القاعدة تتكرر اليوم في كل صراع إقليمي مهما بدا محدودًا..كما أشار هنري كيسنجر: “السياسة الدولية هي فن تحقيق الممكن ؛ لا المثالي”.
أي أن أي محاولة لإشعال فتيل أو ابتزاز الآخرين بدون حسابات دقيقة ؛ ستعود بنتائج عكسية، وقد تتحول نواة فتنة صغيرة إلى أزمة دولية تتجاوز التوقعات.
إبقاء الفتيلة مشتعلة للغير ؛ ليس مجرد مخاطرة، بل استراتيجية مدمرة محتملة. السياسة اليوم تتطلب عقلانية وحساً استراتيجياً، إدارة للتوازن واحتواء الصراعات قبل أن تنفجر في وجوه الجميع..كما قال توماس جيفرسون: “الاستعداد هو نصف المعركة”.
من ترك فتنة للغير ؛ قد يجدها تعود إليه أقوى، وهو بذلك أكثر المتضررين.
وكل حركة يجب أن تُقاس بعواقبها على المدى الطويل، لا بالنجاح المؤقت على المسرح الإقليمي.
فمن لم يحسن إدارة الفتائل الصغيرة ؛ سينتهي به المطاف أمام انفجار أكبر بكثير مما توقع.
في النهاية، إبقاء الفتيلة مشتعلة للآخرين ليس مجرد مخاطرة سياسية، بل درس استراتيجي واضح: الحكمة في إدارة الصراعات واحتواء التوترات ؛ هي ما يحمي مصالح الجميع، ويحُول دون أن تتحول نواة فتنة صغيرة إلى كارثة عالمية.
كاتب رأي
