كُتاب الرأي

سقوط دولة الرعب

سقوط دولة الرعب

محمد الفريدي

لا تسقط العروش حين تنكسر الجيوش، بل حين تُفتح خزائن أسرارها ويُفضَح كل ما كان يخفيه الطغاة وإعلامهم عن الناس.

وسوريا دخلت في هذا النوع من السقوط؛ سقوطٌ لا يحتاج إلى انقلاب ولا دبابات، بل إلى تسجيلات صوتية تفضح المستور.

ما جرى من تسريبات لما دار بين بشار الأسد ولونا الشبل لم يكن مجرد حكاية عاطفية من قصص ألف ليلة وليلة والقصر المسكون، بل نافذة صغيرة تُطلّ على العقل المريض الذي حكم هذه البلاد لعقود طويلة بالحديد والدم والنار.

عقلٌ تمرّس على الإجرام، يضحك عند رؤية الجثث والدمار والعسكر، ويمضغ العلكة فوق رماد الأبرياء الذين سحقهم بقراراته وحروبه ودباباته وطائراته وبراميله المتفجرة، كأنهم مجرد تفاصيل صغيرة لا تستحق حتى الالتفات.

سوريا، التي اعتادت أن تُدار من أقبية المخابرات لا من مقاعد مجالس الشورى والبرلمانات، كشفتها لونا الشبل — بلا قصد ربما، أو بقصد — حين حوّلت القصر إلى مقهى للثرثرة الرخيصة والمؤامرات والسخافات.

وإلى مكان تتساقط فيه الأقنعة أسرع مما تتجدّد فيه القرارات، في مشهد كشف هشاشة البنية التي ادّعت طويلا أنها صلبة لا تهتز مع مرور الأيام والأحداث.

وتُغتسل فيه هيبة الدولة على ألسنة لا تعرف من الحكم إلا اللعن والنميمة والاحتقار، ولا من السياسة إلا ما يُقال تحت الألحفة في غرف النوم المخملية.

ثرثرةٌ أسقطت ما بقي من هيبة مصطنعة، وعرّت دولة كاملة بُنيت على الخوف، فإذا بها تنهار من تسجيل واحد يكشف هشاشتها أمام أنظار العالم.

ولم يعد الخوفُ كافيا لإخفاء العيوب، فقد تكشّفت الحقائق، وأصبح الجميع شاهدا على انهيار الأسس المزيفة التي بُنيت عليها سلطةُ البطش لأكثر من نصف قرن.

وباتت الأقنعة تتساقط واحدا تلو الآخر، ولم تعد الأكاذيب قادرة على إخفاء الفساد؛ فكل كلمة وكل فعل أصبحا مرآة صادقة لما تخفيه سلطة العلويين من هشاشة وانهيار داخلي ليس له مثيل.

تسريباتها التي بثّتها قناة (العربية) بالأمس ليست مجرد مشاهد خاصة، بل هي وثائق تكشف نفسية رجل لا يرى شعبه إلا حشرات.

وعن امرأة دخلت بيت الوحش كعشيقة انتهازية طامحة للسلطة، فصارت في النهاية ضحيته المفضّلة.

لونا الشبل — تلك المذيعة التي انتقلت من أضواء قناة (الجزيرة) المبهرة إلى ظلام وكر قصر المهاجرين بدمشق — لم تكن مستشارة إعلامية بقدر ما كانت (عدسة سفلية) تراقب بلاط الوهم.

وعينُها لا تفوّت حركة؛ ترصد الصفقات السرّية والهمسات المخفيّة، وتفضح زيف السلطة وفسادها الخفي بمقاطع مرئية تعرضها للناس.

كانت تسجّل التحركات والهمسات، وتكشف خفايا السلطة وراء الستار، لتصبح بذلك شاهدة على ما لا يُقال في أضواء البلاط الرسمي، وتعرض الحقيقة كما هي بلا رتوش ولا تزييف.

ظهرت يوما في القمة العربية بجدة، تمضغ علكة خلف بشارها المختل عقليا، وكأنها تقول لنا: (هذا الأحمق علكة في فمي).

وضحك السوريون وقتها منها ومنه، وتناقلوا المشهد على وسائل التواصل، حتى أصبح رمزا للسخرية من السلطة وهشاشتها.

ولكن لم يكن أحدٌ يعلم أن تلك المرأة تحمل في يدها أسرارا كفيلة بزلزلة قصر الأسد وقصور طهران ، وأن ابتسامتها الباردة تخفي خلفها صفقات وخيانات وتسجيلات، لو خرج بعضها في حينه لأسقطت أعتى دعامات حكمه الذي بُني على الخوف والصمت.

رحلت لونا في حادث غامض، كما يموت كل من يقترب من عرين أسرة الأسد؛ فقد قيل إن أسماء الأسد كانت شريكة في الجريمة بدافع الغيرة، وقيل إن بشار هو من أمر بقتلها بعد أن لوّحت بتسجيلات خطيرة، وقيل أيضا إن استخباراته صفّتها بتهمة العمالة لإسرائيل.

ولكن في كل الأحوال، كانت النتيجة واحدة: امرأةٌ اقتربت من وحش لا يعرف الرحمة أكثر مما يجب، فابتلعها.

التسريبات التي سبقت موتها كانت كافية لتعيد جميع السوريين إلى ذكريات الجحيم، وإلى الغوطة التي اختنقت في صمت المدن، ومُسحت من على وجه الأرض بالبراميل المتفجرة، وإلى آلاف الجثث في المقابر والأقبية السرّية.

وما يثير الغثيان فعلا ليس فقط فظاعة الأفعال، بل السخرية التي كان يتعامل بها بشار مع إجرامه؛ ففي التسجيلات يظهر كمن يمشي بسيارته فوق بلد ميت ويضحك، كطاغية ملّ من الكذب وعجز عن الندم والإعتذار .

بشار شخصٌ لا يشبه أباه كثيرا من حيث الذكاء، لكنه نسخة من غطرسته؛ فحافظ النعجة، كما يسميه بعض السوريين، بنى جمهوريته — كما يعرف الجميع — على الخوف والرعب المنظّم، أما بشار فحوّل ذلك الخوف والرعب مع لونا إلى عبث وسخرية.

بشار، طبيبُ عيون لم يرَ يوما شيئا جميلا سوى الدم، وظنّ نفسه لاعبا ماهرا بين لونا والروس والإيرانيين والإسرائيليين، فإذا به يتحوّل إلى مجرد أداة في أيديهم جميعا.

حتى حزب الله الذي أنقذه من السقوط صار يسخر منه في التسجيلات المسربة، وهو الذي مدّ له اليد حين كانت قوات الثوار تقترب من أسوار قصره الملعون.

في تلك المقاطع المسربة يظهر بشار وهو يسخر من مقاتلي الحزب ومن بوتين نفسه، وتضحك لونا وتقول له: (شفت بوتين كيف نافخ؟)، فيجيبها ببرود لا يخلو من الاحتقار: (كله عمليات تجميل).

سخرية حقيرة من رجل يدين ببقائه لبوتين، وتعبر عن جوهر هذا النظام المجرم الذي لا يحترم أحدا، لا صديقا ولا خصما، ويعامل حلفاءه كأدوات تنتهي صلاحيتها بانتهاء منفعته.

هكذا كان نظام آل الأسد منذ 53 عاما: شرعية الرعب ونكران الجميل، ودولة البطش، وجمهورية الخوف التي تبتلع أبناءها وتحتقر حلفاءها.

فمن حافظ إلى بشار، ومن رفعت إلى ماهر وجميل، جميعهم تقاسموا السلطة كما تُقسَّم الغنائم، ولم يتركوا للسوريين إلا خيارين: الصمت أو الموت.

من يريد أن يعرف معنى الاستبداد الحقيقي فليلقِ نظرة على خريطة سوريا اليوم — مساحات مليئة بالمقابر بدلا من المدارس والمستشفيات، ومناطق مقسّمة بين الطوائف والعرقيات.

حين مات حافظ، قالوا: (الأسد باق فينا)، وكانوا صادقين للأسف؛ فقد بقي فيهم على شكل بشار، طبيب بلا قلب ولا رحمة، ورئيس بلا كرامة، ورجل بلا رجولة ولا عقل ولا ملامح.

لكنه نسي أن كل (وريث شرعي للطغيان) يحمل في داخله بذور نهايته، وقد بدأت تلك البذور تنبت ببطشه وبعلكة امرأة كانت تجلس خلفه في المواكب والاجتماعات والقمم، وتضحك بجواره في المقاطع، لتفضح غروره وجنونه وسذاجته وجهله وسخافته.

إن ما قالته لونا، وضحكت به عليه، سيصبح قريبا شهادة دولية تُعرض في المحاكم لا على الشاشات. وما ورد في تلك المقاطع — من وصفه شعبه بأنهم (مقرفون)، ومن تهكمه على قتلاه في الغوطة — كل ذلك يُعري هذا النظام البائد أمام العالم أكثر مما فعلت آلاف التقارير الحقوقية.

وستصبح تلك الشهادات واللقطات أدلة على دموية النظام، تكشف زيف شعاراته وادعاءاته، وتجعل العالم يرى الحقيقة التي حاول إخفاءها لعقود.

ومن حديثه السطحي عن الحرب والدمار؛ فحين يلعن القاتل مدينة من مدنه التي دمّرها بنفسه، ويمثّل بجثث ضحاياه، تسقط الحاجة إلى أي دليل.

فهذه المقاطع المسربة، التي تكشف عن غرور القاتل وسخفه، لن تكون مجرد مشاهد مصوّرة، بل دليل حي على وحشية النظام، وتشهد أمام العالم بأن جرائمه لم تعد خافية، وأن صوت الحقيقة أصبح أقوى من كل محاولات التعتيم والإنكار.

يخاف المستبد من الكلمة أكثر من الرصاصة، ولكن بشار الأسد وصل إلى مرحلة أخطر بكثير؛ حيث صار يسخر من نفسه ومن جرائمه بحق شعبه، والتاريخ لن يرحمه ولن يسمح له بالسخرية من شعبه مرتين.

وما بُني على الدم والرعب لا يصمد أمام العدالة والحقيقة، ومهما طال الليل في الغوطة ودمشق، فشمس الحرية تعلن اليوم نهاية هذا المسرح الدموي الذي بدأ منذ أكثر من نصف قرن.

وستظل أصوات الضحايا والشهداء شاهدة على جرائم هذا النظام الوحشي، لتذكّر العالم بأن الظلم مهما طال لن يُخلَّد ولن يمرّ دون عقاب.

سوريا اليوم لا تنتظر تحريرا جديدا بالسلاح، بل تحررا من الأكاذيب ومن فكرة أن آل الأسد قدرٌ لا يُرد، وأن الخوف جزء من الهوية الوطنية السورية.

كفى نصف قرن من الأسر تحت لافتة (المقاومة والممانعة) التي لم تُطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل أو الجولان، بينما أطلقت آلاف البراميل فوق رؤوس أطفال حلب وحمص ودرعا والغوطة.

وكفى نظاما تتبدل فيه الألقاب ولا تتبدل جرائمه؛ لكن اليوم، صوت الحقيقة أقوى من الخوف، والشعب السوري يطالب بحقه في الحرية والكرامة، لتبدأ صفحة جديدة تُزيح الرعب وتعيد بناء الوطن على أسس العدالة والمساواة.

لقد حكم آل الأسد سوريا خمسين عاما بالدم والحديد والنار، ولا يمكن أن يستمروا بعدها إلا بالوهم؛ فالوهم هو وقودهم الأخير، والتسريبات الأخيرة أحرقت ما تبقى منه، فلم تعد المسألة سياسية بل أخلاقية.

وبلدٌ يُحكم بهذا المنطق والسذاجة والتخلف لا يحتاج إلى دبابة لإسقاط طاغيته، بل إلى لحظة وعي واحدة، وقد وصلت سوريا إلى هذه اللحظة بعد معاناة أربعة عشر عاما من الصبر والمقاومة والصمود.

ربما أخفت أجهزة أمن الأسد قبل رحيلها كل ما يتعلق بمقتل لونا الشبل، وربما أتلفت المقاطع المهمة خوفا من الانتشار قبل الوصول إليها، لكن الحقيقة خرجت — على أي حال — من القمقم الآن ولن تعود.

ففي كل بيت سوري نسخةٌ مصغّرة من لونا — خائنة أم ضحية، لا فرق — فقد عرفت هذا النظام عن قرب ودفعت الثمن.

وكل الذين خدموا الأسد انتهى بهم المطاف تحت الأرض أو خلف أسوار السجون والمعتقلات؛ وهذا ما يفعله الجلّاد مع كل من يكتشف حقيقته أو يرى وجهه الحقيقي.

بشار، الذي ظن أنه أسد ضخم، لم يكن في الحقيقة سوى جرو صغير ضائع في متاهات لونا الشبل؛ أسدٌ بلا غابة، ووحشٌ قُلِمت أنيابه ومخالبه.

وحتى أكثر جنوده إخلاصا باتوا اليوم يتساءلون: لمن كنا نقاتل؟ ولماذا؟ وهل لهذا السخيف كنا نقتل هذا وذاك؟

الدولة التي يحكمها الخوف لا تبني إلا الخوف، والكرسي الذي يُقتنى بالدم لا يُورث إلا الدم.

وما بعد لونا الشبل لن يكون كما كان قبلها؛ لأن النظام انكشف من الداخل — وذاك أسوأ هزيمة لأي حاكم.

فحين يُكشف القناع عن الطاغية، تهتز أسس سلطته، ويبدأ الخوف الذي بناه لنفسه بالانهيار، ويعرف الجميع أن النهاية ليست مسألة وقت فقط، بل مسألة وعي وشجاعة.

في النهاية، سوريا التي عرفها العالم بوصفها سجنا ضخما بدأت تتنفس؛ وربما ستطول معركتها، وربما تبقى المدن أنقاضا لبعض الوقت.

ولكن زوال هذا النظام الدموي إلى الأبد لم يعد حلما كما كان من قبل؛ فقد زال من الوجدان ومن الوعي ومن الصورة، وستشرق العدالة في كل زاوية من زوايا هذا الوطن المكلوم مهما طال الصبر والزمان.

والتاريخ حين يسجل النهاية لن يقول إن الأسد رحل بقرار دولي أو بثورة مسلحة، بل بضحكة امرأة أدركت متأخرة أنها كانت تجلس على طاولة الشيطان.

سوريا اليوم بلا بشار الأسد وبلا (لونا الشبل) — تلك الحقيقة التي ترعب قصور الفرس أكثر من كل الجيوش —، وما يجري اليوم ليس فصل النهاية الأخير.

بل هو أول سطر في قصة سوريا الجديدة، حيث ستُبنى الدولة على العدالة والحرية، وستتنفس المدن وأهلها حياة لم يعرفوها منذ عشرات العقود.

قصة وطن يعود إلى نفسه بعد أن تخلّص من وحش لم يعرف الإنسانية يوما، وامرأة أسقطته وهي تضحك من حيث ظن الجميع أنها تُمجده.

وهي كانت تخونه، وتكشف أسراره، وتفضح غطرسته بكلامها وردوده الجوفاء دون أن يعلم، لتثبت للعالم — وهي تمضغ علكتها — أن الغباء والثرثرة هما أسهل طريقة لإسقاط الطغاة.

كاتب رأي

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى