كُتاب الرأي

مساحة من الهدوء… مطلب إنساني لا رفاهية

مساحة من الهدوء… مطلب إنساني لا رفاهية

بقلم / رؤى مصطفى الجعر

في عالمنا اليوم، باتت وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الفورية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، مما سهل على الجميع التواصل في أي وقت ومن أي مكان. لكن هذه السهولة أحيانًا تتحول إلى عبء، خاصة حين ينسى البعض حدود الخصوصية والاحترام، ولا يدركون أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى التوقف، وإعادة ترتيب أموره، والابتعاد مؤقتًا عن ضجيج العالم الرقمي.

من أكثر المواقف إحباطًا أن تصل إلى حالة مرض أو تعب نفسي، وتجد من حولك يستمرون في المراسلة والإلحاح، يسألونك عن أمور شخصية، أو يطلبون منك أشياء مثل أرقام هواتف، أو يحاولون التواصل في أوقات لا تكون مستعدًا لها، حتى لو أخبرتهم أنك لا ترغب بالحديث الآن. هذا السلوك يضع الإنسان في حالة ضغط نفسي إضافي، ويجعل أوقات التعافي والراحة أكثر صعوبة.

هناك أيضًا من يطرح أسئلة تبدو غير ملائمة، مثل الاستفسار عن حضور دورة تدريبية عن بُعد في وقت وجود ضيوف، وكأنهم يتوقعون منك أن تكون متاحًا لكل تفاصيل حياتك الشخصية، في حين أنك قد تكون مضطرًا للتعامل مع ظروف صحية أو عائلية خاصة. هذه الأسئلة تضيف عبئًا على الشخص، بدلًا من أن تكون دعماً أو تفهماً.

وهنا نطرح سؤالاً مؤلمًا بعمق:
“لا أعلم، هل هي ضغوطات الحياة جعلتنا نصل إلى هذه المرحلة؟”

ربما نعم…
ربما هذه الضغوط المستمرة، وتراكم المسؤوليات، وسرعة الحياة، جعلتنا نصل إلى مرحلة من الإنهاك النفسي والعاطفي، حتى صرنا ننزعج من أبسط الأمور… من رسالة، من سؤال، من صوت إشعار، من انتظار رد.

أصبحنا نعيش في عالم لا يرحم كثيرًا.
الكل مستعجل، الكل يطلب، الكل يتكلم… ولا أحد يسأل:
“هل أنت بخير؟ هل تحتاج لمساحة من الصمت؟”

الإنسان المنهك لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات، بل إلى من يفهم صمته.
من يشعر أن الغياب ليس تجاهلًا، بل استراحة لالتقاط الأنفاس.

نعم، أحيانًا نبتسم ونحن نتألم، نرد على الرسائل ونحن لا نرغب بالكلام، نضحك ونحن في الداخل منطفئون، فقط لأننا نخشى أن نُتّهم بالتقصير، أو المبالغة، أو الحساسية.

الحياة اليوم لا تترك لنا وقتًا لأنفسنا، إلا إذا أجبرناها.
ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد ترتيب مفاهيمنا حول “الاهتمام” و”التواصل”، فليس كل من أحبك من حقه أن يتجاوز حدود راحتك…
وليس كل من أرسل يستحق ردًا سريعًا.

احترام خصوصية الآخرين، وفهم حاجاتهم للهدوء، هو من أرقى صور الإنسانية.
فلنكن لطفاء، متفهمين، ولنمنح من حولنا فسحة من الصمت… قد يكون فيها كثير من الشفاء

كاتبة رأي

 

رؤى مصطفي

كاتبة رأي ومستشارة إعلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى