هبوب الغبار

بقلم: إبراهيم النعمي
هبوب الغبار
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا عصفت الريح قال:
«اللَّهُمَّ إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به»
رواه مسلم.
في كل عام، وفي مثل هذا الوقت، تهب على منطقة جازان موجات غبار كثيفة تحجب الرؤية وتتسبب أحيانًا في حوادث مرورية خطيرة. ومع هذا المشهد المتكرر، يتذمر البعض ويسبّون الغبار، غافلين عن حكمته وفوائده.
فالغبار ليس مصدرًا للتلوث فحسب، بل له منافع عظيمة. فهو يعمل على تنظيف البيئة من الفيروسات والميكروبات، وينقّي الجو، بل ويُسهم في تلطف درجات الحرارة. قال الله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح)، أي أنها تحمل الخير وتنشره، ولو بدا لنا خلاف ذلك.
وللغبار أثر في الزراعة، فهو يخصّب التربة، ويُنعش الأشجار، حتى إن العلماء اكتشفوا فوائد التراب لبشرة الإنسان. وقد قال بعض أطباء النفس: “دعوا أطفالكم يلعبون في التراب والطين، فإن في ذلك تقويةً لجهازهم المناعي.”.
وللتراب في الإسلام مكانة عظيمة، فقد بيَّن النبي ﷺ أنه دواء لبعض الأسقام، وكان إذا اشتكى أحدهم مسح على موضع ألمه وقال:
“بسم الله، تربة أرضنا، بريق بعضنا، يُشفى سقيمنا، بإذن ربنا”.
والتراب طاهر، طَهور، يُستعمل في التيمم عند فقد الماء، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا). ولا يُستعمل التيمم بديلاً عن الماء إلا لكونه طاهرًا مباركًا، كما وصفه الله بـ”الطيب”.
ويقول أهل الخبرة بمناخ جازان إن موسم الغبرة يمتد عادة من بداية يوليو إلى منتصف أغسطس، وعلينا أن نستقبل هذا الموسم بالرضا والتسليم، لا بالتسخط، فقد قال الله تعالى: (ولئن أرسلنا عليهم ريحًا فرأوه مصفرًا لظلوا من بعده يكفرون).
وقد نبّه العالم ابن خلدون إلى فضل الغبار في مقدمته الشهيرة، حيث قال:
“إن الأرض بعد تقلب الفصول تبدأ بلفظ أمراض وحشرات، ولو تُركت لأهلكت العالم، فيرسل الله الغبار، فتقوم الأتربة بقتلها.” انتهى.
الغبار إذًا نعمة مسخّرة من نعم الله، ينبغي أن نحمده عليها، وننظر إليها بعين الرضا كما نفرح بمواسم الأمطار. وقد نهى النبي ﷺ عن سبّ الريح، فعلينا أن نتأدب مع قدر الله، ونستبشر بالخَير الذي يرسله، ولو جاءنا في هيئة غبار.
كاتب رأي