كُتاب الرأي

✍️ “إيثوس” الأسرة بين أصل الوالدين وامتداد الأبناء

✍️ “إيثوس” الأسرة بين أصل الوالدين وامتداد الأبناء

بقلم/ د.عبدالإله محمد جدع

✔️ ليست العلاقة بين الوالدين والأبناء رابطة دم فحسب، وإنما هي “إيثوس” الإنسان الأول، أي البنية العميقة التي يتشكل فيها وجدانه، ويتكون فيها حسه الأخلاقي، وتولد منها صورته الأولى عن الحب، والرحمة، والسلطة، والحدود. ففيها يتلقى الإنسان أول معنى للأمان، وأول درس في الوفاء، لأنها تبدأ قبل الوعي، وتبقى بعد النضج، وتمتزج فيها المحبة بالمسؤولية، والذاكرة بالمستقبل.. والإنسان لا يدخل الحياة حرا من كل سابقة، لكنه يدخلها محمولا على تعب غيره، مكونا بعينين سبقتاه إليه، وبقلبين سهرا عليه قبل أن يعرف معنى السهر، ولهذا كانت هذه العلاقة أصلا في تكوين النفس، لا حادثة طارئة في سيرتها.
✔️ وإذا تأملنا هذه العلاقة وجدناها غير قائمة على تماثل بسيط، لأن كل طرف فيها يقف في موضع مختلف. فالوالدان يبدآن بالعطاء قبل أن يفهم الطفل معنى الأخذ، ويتعلقان به تعلقا فطريا عميقا، يريان فيه امتداد حياتهما، ويودعان فيه خوفهما ورجاءهما معا.. أما الابن، فإنه يبدأ محتاجا، ثم يقوى، ثم يميل بطبعه إلى الاستقلال، ويقبل على مستقبله، وينشغل بما سيأتي أكثر من انشغاله بما مضى.. ومن هنا كانت هذه العلاقة ميدانا دقيقا يلتقي فيه الحب بالواجب، والحنان بالمسؤولية، والحرية بالوفاء.
✔️ ومن أعمق ما يلفت النظر أن الخطاب الإلهي أكثر من توصية الأبناء بوالديهم، ولم يجعل الوصية بالآباء لأبنائهم على الصورة نفسها. وليس في ذلك انتقاص لحق الأبناء، وإنما هو كشف لطبيعة النفس البشرية.. فالولد محفوظ في أصل الفطرة بمحبة والديه، أما الوالدان فليسا محفوظين في قلب الابن بالطريقة نفسها، لأن الابن كلما اشتد عوده اتجه إلى حياته الخاصة، وأسرته الجديدة، ومصالحه، وطموحه، فيضعف في نفسه حضور الأصل الذي خرج منه.. لذلك جاءت الوصية بالوالدين مؤكدة متكررة، لأنها تخاطب موضع النسيان في الإنسان، وترده من سكرة الاكتفاء إلى وعي الجميل الأول.. فالإنسان مولع بما يمتد منه أكثر من ولعه بما صدر عنه، يحب أبناءه لأنهم غده، وقد يخف إحساسه بوالديه لأنهما يردانه إلى بدايته الضعيفة، إلى طفولته وعجزه واعتماده الأول. ومن هنا كانت الوصية بالوالدين تربية على الوفاء قبل أن تكون تذكيرا بالحق، لأنها تحمي الإنسان من أن تبتلعه حركة الحياة، فينسى الجذر وهو مشغول بالثمرة.
✔️ ومن جهة النفس، يحتاج الطفل إلى والديه حاجة مطلقة، ثم يسعى في نضجه إلى الاستقلال عنهما. وهذه رغبة صحية ما دامت تؤسس شخصية ناضجة، لكنها قد تنحرف إلى جفاء إذا فقدت بعدها الأخلاقي. فالاستقلال ليس نكرانا، والنضج ليس قطيعة، والحرية لا تكون شريفة إلا إذا بقي معها شيء من الامتنان. وفي المقابل، قد يختلط حب الوالدين بالخوف، أو السيطرة، أو التملك، فيثقلان على أبنائهما وهما يظنان أنهما يحسنان إليهم، وهنا تظهر مفارقة موجعة، الآباء يتذكرون ما بذلوا، والأبناء يتذكرون ما افتقدوا..
✔️ ومن أشد ما يفسد نفس الأبناء أن يشوه أحد الوالدين صورة الآخر في قلوبهم، مهما اشتد الخلاف أو وقع الفراق.. فالطفل لا يرى أباه وأمه شخصين عابرين، وإنما يرى فيهما أصل هويته وأمانه.. وحين يسمع أحدهما يهدم الآخر، يتصدع في داخله معنى الثقة، ويتحول الحب إلى انقسام صامت، وقد يحمل هذا الشرخ معه زمنا طويلا.. لذلك يبقى من كمال الأبوة والأمومة والأخلاق أن يصون كل طرف صورة الآخر في قلب الأبناء، لأن الطفل لا ينبغي أن يرث خصومات الكبار.
✔️ ومن جهة المجتمع، تظل هذه العلاقة الجسر الذي تعبر عليه القيم من جيل إلى جيل. ففي البيت يتعلم الإنسان أول معنى للاحترام، وأول حد للحرية، وأول صورة للعدل والرحمة. فإذا اختلت هذه العلاقة اختل ما بعدها، لأن المجتمع لا يتفكك في مؤسساته أولا، لكنه يتفكك في روحه، والروح تبدأ من البيت.
✔️ وما أود قوله.. أن العلاقة بين الوالدين والأبناء ليست علاقة متماثلة حتى يأتي الخطاب فيها متماثلا، لكنها علاقة مختلفة المقام. الوالدان أصل، والأبناء امتداد، الأصل يحتاج إلى حفظ من النسيان، والامتداد يحتاج إلى تهذيب من الإفراط، ولهذا ترتفع هذه العلاقة من مجرد صلة طبيعية إلى معنى إنساني رفيع، يتعلم فيه الإنسان أن النضج ليس أن يمضي إلى مستقبله ناسيا بدايته، وإنما أن يحمل أصله في قلبه وهو يتقدم.

أديب وكاتب رأي وشاعر 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى