كُتاب الرأي

✍️وماذا بعد انقضاء الشهر.. تغيرت أم تأثرت؟!

✍️وماذا بعد انقضاء الشهر..
تغيرت أم تأثرت؟!

بقلم/ د. عبدالإله محمد جدع

✔️لا تقاس قيمة الشهر بانقضائه، إنما بما يتركه في النفس.. فالزمن لا يهب التحول لأحد لمجرد عبوره، لكنه يكشف هل التقطت النفس المعنى، أم اكتفت بمجاراة الظرف. فهو يوقظ، ويخفف الضجيج قليلا، ويرد الإنسان إلى نفسه، ثم يتركه أمام سؤاله الأثقل.. ماذا بقي حين انصرف الوهج؟ لهذا لا تفهم العودة إلى ما نهي عنه على أنها ضعف عابر فحسب، إنما قد تكشف أن التغير لم يبلغ موضعه بعد. فثمة فرق بين من فارق الشيء لأن الحيلولة حالت بينه وبين نفسه، ومن فارقه لأنه لم يعد يطيق صورته القديمة في عينه.. الأول ينتظر انقضاء الظرف، أما الثاني فقد تبدلت صلته بما كان يألفه، فلا يعود المنهي عنه كما كان، لأن الناظر إليه لم يعد كما كان.
✔️غير أن الامتحان الأصدق لا يقع دائما في باب الشهوة الظاهرة، ولكن في المواضع التي يستخف بها الإنسان لأنه ألفها.. في اللسان حين يجرح ثم يمضي، في الغيبة حين تتخفى في هيئة حديث عابر، في التدليس حين يلبس ثوب الذكاء، في الأذى الصغير الذي يتسرب إلى الناس حتى يغدو طبعا لا يكاد يرى. هنا ينكشف هل لامس الشهر جوهر النفس، أم مر على ظاهرها فقط. فليس الأثر أن يكف الإنسان عما يدخل فمه وحده، إنما أن يخف وقعه على الناس، وأن يغدو أقل إيذاء، وأشد حياء من الظلم، وأضيق صدرا بالمظالم التي كان يتعايش معها من قبل.. ذلك أن حقوق الناس ليست هامشا في التجربة، ولكن مركزها الخفي.. فما معنى صفاء روحي لا يرد مظلمة، ولا يرق لجرح، ولا يتوقف عند ذمة أثقلها التأجيل؟ وما جدوى امتناع يروض الغرائز، إذا ظل اللسان طليقا في أعراض الناس، والنفس قادرة على أن تؤذي ثم تمضي كأن شيئا لم يكن؟
✔️وفي هذا يكمن المعنى الأبعد للصيام.. ليس أن يضيق على الجسد،إنما أن يعاد ترتيب الداخل. أن تتعلم النفس أن ليس كل ما تشتهيه يليق بها، وأن القدرة على الشيء لا تمنحه شرعيته في الروح. ومن هنا يجيء المعنى القرآني في غاية الكثافة..” لعلكم تتقون” .. كأن المقصود ليس مجرد المنع، لكن أن تتشكل في الإنسان بصيرة جديدة، مسافة خفية بينه وبين ما يهبط به، لا يصنعها الحاجز الخارجي، بل تصنعها المعرفة. فالقيمة كلها أن يتبدل حكم النفس على ما كانت تألفه.. أن لا تترك الشيء لأن الوقت ضاق به، بل لأنك لم تعد تراه جديرا بك.
✔️ينتهي الشهر، وتبدأ الحقيقة.. هل تغيرت فعلا، أم أنك فقط تأثرت؟ فأكبر خسارة أن ينتهي، وتعود كما كنت.

شاعر وكاتب رأي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى