كُتاب الرأي

العيد وطيف حضورهم

العيد وطيف حضورهم

حصة محمد الجهني 

يأتي العيد كل عام، مكلّلًا بالضياء، مضمّخًا بروائح الفرح، كأنّه وعدٌ متجدّد بأن للحياة وجهًا يبتسم مهما تعاقبت عليها الأيام. غير أنّه، حين يمرّ على القلوب التي عرفت الفقد، لا يأتي كما يعرفه الآخرون؛ يجيء مثقلًا بذاكرةٍ لا تنام، وبأسماءٍ كانت هنا يومًا، ثم غابت، لكنّها لم تغب تمامًا.

العيد هذا العام—ككل الأعوام—يطرق بابي برفق، كأنّه يستأذن الدخول إلى قلبٍ تغيّر كثيرًا. يمدّ يده بالفرح، لكنّي أتلقّاها بنصف ابتسامة، لأنّ النصف الآخر يسكنه حنينٌ لا يهدأ. ففي داخلي مقاعد لا تزال محفوظة، لا يجلس عليها أحد، لأنّ أصحابها رحلوا… وبقيت أماكنهم كما هي، لا يجرؤ الزمن على ملئها.

أبي…
يا أول حكايةٍ في عمري، ويا أوّل أمانٍ سكن صدري. مضت سنوات طويلة على رحيلك، حتى ظنّ البعض أنّ الذاكرة قد تهادنت مع الغياب، وأنّ الحزن قد خفَت صوته. لكنّهم لا يعلمون أنّ الفقد الحقيقي لا يشيخ، وأنّ غياب الأب تحديدًا لا يتحوّل إلى ذكرى عادية، بل يظلّ أصل الحنين كله.
في كل عيد، أعود إليك. أراك في تفاصيل صغيرة: في صباحٍ هادئ، في دعوةٍ تُقال، في ملامح وجهٍ تشبهك. أسمع صوتك في داخلي، كأنّه لم ينقطع، وأشعر أنّك أقرب مما أظن، لكنّ المسافة بيني وبينك ليست من هذا العالم.
كنتَ العيد حين كنت، وكنتَ الطمأنينة التي لا تُشترى. وبعدك، صار العيد يحاول أن يرمّم شيئًا منك… لكنه لا يقدر.

ثم يأتي طيف أخي…
يا من كنت السند إذا مالت الأيام، والضحكة التي تسبق الفرح.
في الأعياد الماضية، كنتَ حاضرًا في كل تفصيلة: في المزاح، في الضجيج الجميل، في تلك اللحظات التي لا تُكتب لكنها تُعاش. أمّا الآن، فقد صار العيد أكثر هدوءًا، كأنّه فقد صوته معك.
أبحث عنك بين الوجوه، أتوهّم أنّك ستدخل فجأة، ستنادي، ستبتسم . ثم أتذكّر أنّ الغياب حقيقة، وأنّ القلب وحده هو الذي يرفض استيعابها.
يا أخي، لم يكن رحيلك حدثًا عابرًا، بل كان انكسارًا أعاد ترتيب كل شيء في داخلي. ومع ذلك، ما زلتُ أحملك في دعائي، في ذكري، في كل لحظةٍ أحتاج فيها إلى قوّةٍ كنتَ تمنحها لي دون أن أشعر.

وقبل ذلك…
تلك الروح الطيبة التي رحلت عنّا، ابنة أخي.
يا زهرةً قُطفت باكرًا، ويا ضحكةً لم تُمهلها الحياة لتطول. كان رحيلها وجعًا من نوعٍ آخر، وجعًا لا يُفهم بالعقل، بل يُحسّ بالقلب فقط.
في العيد، تزداد صورتها صفاءً؛ أراها بثوبها الطاهر، بخطواتها الخفيفة، ببراءتها التي لا تشبه هذا العالم. كأنّها تأتي لتسلّم، ثم تمضي سريعًا، تاركةً خلفها حنينًا طريًّا لا يجفّ.
لم تعش طويلًا، لكنّها تركت أثرًا لا يُمحى. بعض الأرواح تمرّ كنسمة، لكنها تغيّر فينا أشياء لا تعود كما كانت.

وهكذا، يصبح العيد عندي حكايةً مزدوجة؛ وجهٌ يبتسم، وآخر يشتاق. أشارك الناس أفراحهم، لكنّي أحتفظ بحزني في زاويةٍ هادئة من القلب، لا أُظهره إلا بيني وبين الذكريات.
فالفرح لا يُلغِي الحزن، كما أنّ الحزن لا يمنع الفرح، بل يلتقيان معًا في لحظةٍ إنسانية صادقة، تُعلّمنا أنّ القلب قادر على أن يحمل النقيضين دون أن ينكسر.

أمضي في صباح العيد، أرتّب تفاصيله كما ينبغي: ملابس، تهاني، زيارات… لكنّ شيئًا في داخلي يبقى ناقصًا، كأنّ هناك أسماءً لم تُذكر، وأصواتًا لم تُسمع.
وحين أختلي بنفسي، أستدعيهم واحدًا واحدًا: أبي، أخي، وتلك الصغيرة. أجلس معهم في صمتٍ طويل، أُحدّثهم بما لم أستطع قوله، وأبكي قليلًا… ثم أهدأ.

ومع كل هذا الألم، يظلّ في داخلي يقينٌ لا يتزعزع: أنّهم في مكانٍ أرحم من هذه الدنيا، وأنّ الله الذي أحببناهم لأجله لن يضيّع هذا الحب.
أرفع يدي بالدعاء، فأشعر أنّ المسافات تقصر، وأنّ أرواحهم تقترب بطريقةٍ لا تُرى، لكنها تُحسّ بصدق.
الدعاء لهم في العيد ليس عادة، بل لقاءٌ من نوعٍ آخر، لقاءٌ لا يحتاج إلى صوت، بل إلى قلبٍ صادق.

يا من رحلتم…
العيد لا يمرّ دونكم، بل يمرّ بكم. أنتم فيه حضورٌ خفيّ، في الذكرى، في الدعاء، في تلك اللحظات التي يفيض فيها القلب بما لا يُقال.
لم تعودوا كما كنتم، لكنّكم لم تغيبوا كما يظنّ البعض. بقيتم فينا، جزءًا من أرواحنا، نعيش بكم كما نعيش بأنفسنا.

وهكذا أستقبل العيد…
بقلبٍ تعلّم أن يتّسع للفقد، وأن يرى في الغياب شكلًا آخر من أشكال البقاء.
أبتسم لأنّ الحياة تستمر، وأبكي لأنّ بعض الوجوه لا تعود.
لكنّي، في النهاية، أؤمن أنّ اللقاء مؤجّل، وأنّ هذا الشوق مهما طال، سيجد يومًا ما نهايته… هناك، حيث لا فراق، ولا حنين، ولا دموع.

كاتبة رأي 

حصة محمد الجهني

كاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى