كُتاب الرأي

هل ما زلنا نحتفل؟ أم نستهلك العيد؟

هل ما زلنا نحتفل؟ أم نستهلك العيد؟

الدكتورة سارة الازوري 

يبدو العيد، في ظاهره، استراحةً عابرة من إيقاع الأيام. غير أنّه، في عمقه، يتبدّى كحاجة إنسانية قديمة لإعادة ترتيب العلاقة مع الزمن، وكأن الإنسان، في كل عيد، يعيد تشكيل معنى حياته في مواجهة رتابة تتسلل إلى التفاصيل.

عبر التاريخ، تشكّل العيد ضمن نسق رمزي تتداخل فيه الطقوس مع المعاني، وتتقاطع فيه العبادة مع الاجتماع، فيغدو مساحة يعيد فيها الإنسان تعريف ذاته وموقعه داخل العالم، لا بوصفه فردًا معزولًا، بل ككائن يتصل بغيره وبما يتجاوز وجوده.

في الحضارات القديمة، تتكشف الأعياد في مفاصلها الأولى بوصفها لحظات ذات بعد كوني. ففي بلاد الرافدين، ارتبط عيد “أكيتو” بتجدد العالم، حيث يستعاد النظام في لحظة انتقال زمني محمّلةبالدلالات. وفي مصر القديمة، اكتظّ التقويم بالأعياد التي لم تكن هامشًا، بل جزءًا من بنية الحياة، كما في عيد “الأوبت” الذي تتجسد فيه العلاقة بين المقدّس والسلطة في مواكب مهيبة.

أما الإغريق، فقد اتسق لديهم العيد مع الفعل الثقافي، حيث امتزجت العبادة بالفن، وبرزت احتفالات مثل “ديونيسيا” التي أسهمت في تشكّل المسرح، في حين عبّر “البانأثينايا” عن هوية المدينة ومساراتها الجمعية. وفي روما، اتخذت بعض الأعياد منحى مختلفًا، حيث تُخفَّف القيود الاجتماعية مؤقتًا، كما في “ساتورناليا”، في إشارة إلى أن العيد يفتح فجوة محسوبة داخل النسق الاجتماعي، تسمح بإعادة توازن خفي.

وفي الشرق، تتبدى رمزية العيد عبر صور متعددة؛ ففي الهند، يجسد “ديوالي” انتصار النور على الظلمة، بينما يعكس “هولي” لحظة انفجار الحياة في وجه السكون. أما في الثقافة الفارسية، فيرتبط “النوروز” بدورة الوجود، بوصفه انتقالًا من ركود إلى انبعاث، فيما يحمل “المهرجان” دلالات تتصل بالمحبة والوفاء.

ومع ظهور الإسلام، أعيد توجيه معنى العيد ضمن أفق مختلف، حيث ارتبط بالعبادة وبفكرة الامتنان، واكتسب بعدًا روحيًا أكثر اتساعًا. ويشير القرآن إلى هذا المعنى حين طلب الحواريون من عيسى عليه السلام إنزال مائدة من السماء لتكون لهم عيدًا لأولهم وآخرهم؛ وكأن العيد، في هذا التصور، يتجاوز كونه ممارسة بشرية، ليرتبط بنعمة تتجاوز الإنسان، وتعيد إليه طمأنينته.

وفي هذا السياق، تشكّل العيدان في الإسلام ضمن بنية متوازنة، تتجاور فيها مفاصل الفرح مع مقتضيات الانضباط، حيث تمتد العبادة في أثرها إلى الاجتماع، ويتجسد التكافل في صورة فعل يومي يربط الأفراد بعضهم ببعض.

ومع اتساع الدولة الإسلامية، أخذت ملامح العيد تتبدل ضمن مسارات تاريخية متعاقبة. فبعد بساطته الأولى، ظهرت أشكال أكثر تنظيمًا في العصر العباسي، ثم بلغت درجة لافتة من الترتيب في العصر الفاطمي، قبل أن تتخذ طابعًا رسميًا مهيبًا في العصر المملوكي. ومع كل ذلك، ظل العيد محتفظًا بوظيفته الأعمق في إعادة وصل الإنسان بجماعته.

في الزمن الحديث، لم يختفِ العيد، غير أن ملامحه أخذت في التحول. تقلّصت المسافات عبر الشاشات، وتوسعت أنماط الاحتفال لتشمل السفر والترفيه، حتى بدا العيد وكأنه ينزاح من تجربة جمعية متماسكة إلى تجربة أكثر فردية وتسيّبًا.

وهنا يتقدّم سؤال لا يمكن إرجاؤه: هل ما زال العيد محتفظًا بجوهره بوصفه لحظة للمعنى والوصال، أم أنه ينزلق تدريجيًا نحو نمط استهلاكي يعيد إنتاج الفرح في صورته السطحية؟

يبقى العيد، رغم تحوّلاته، شاهدًا على حاجة الإنسان إلى الفرح بوصفه ضرورة وجودية. غير أن صورته المعاصرة تضعنا أمام مفارقة واضحة: ما الذي نحتفل به فعلًا؟ أهو العيد ذاته، أم صورة جديدة له فقدت شيئًا من عمقها الأول؟

كاتبة رأي 

 

 

الدكتورة سارة الأزوري

أديبة وشاعرة وقاصة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى