كُتاب الرأي
هل ابتلعت الرواية لسان الأدب؟
هل ابتلعت الرواية لسان الأدب؟
فيصل مرعي الكثيري
يُخيل للمرء وهو يتأمل المشهد الثقافي اليوم، أن الأدب قد استضيق فضاءاته الممتدة، فآثر أن يحشر نفسه في زجاجة ((الرواية)) وحدها. لقد صار لقب روائي هو الصك الوحيد للاعتراف بالإبداع، وكأن الكلمة لا تكتسب شرعيتها إلا إذا امتدت على مئات الصفحات وتورطت في حبكة وشخصيات. هذا التكريس المبالغ فيه جعل من السرد الطويل ((ديوان العرب)) الجديد، وصار هذا الديوان مُسيجا يعزل بقية الفنون الأدبية في زوايا الظل، ويجعلها تبدو وكأنها فنون من الدرجة الثانية.
المسألة تتجاوز اختلاف الأذواق؛ إنها تتعلق بهيكل الثقافة وبيولوجيا القراءة نفسها. لقد تعودت الذائقة المعاصرة على النفس الطويل الذي يترهل في كثير من الأحيان، وفقدت رهافتها تجاه الضربة الخاطفة التي يمنحها المقال المركز أو الومضة الشعرية. نحن الآن أمام جمهور يطلب الحكاية ليستدرج النوم، في حين أن وظيفة الأدب الحقيقية هي الأرق؛ أي إيقاظ ذلك السؤال القلق الذي يسكن في تجاعيد الفكرة لا في تتابع الأحداث. إن حصر الإبداع في قالب واحد يشبه إجبار النهر على الجريان في أنبوب ضيق؛ قد يصل الماء في النهاية، لكننا نفقد صخب الشلال وهدوء السواقي وتنوع الضفاف.
وعندما يسود قالب واحد، يبدأ الإبداع في الدوران حول نفسه. تصبح الرواية ((موضة)) يسعى إليها الجميع، لا لأنهم يملكون نفسا ملحميا، إنما لأن ((السوق)) الثقافي قرر أن يغلق أبوابه في وجه ما سواها. وهذا التنميط هو الذي يجعلنا نرى اليوم روايات هي في حقيقتها مقالات مطولة أو خواطر مشتتة أُقحمت قسرا في ثوب السرد لتنال فرصة النشر والتكريم. لقد خسر المقال استقامته، وخسرت الرواية كثافتها، وضاعت بينهما ملامح الإبداع الخالص، مما أدى في النهاية إلى إفقار التنوع الثقافي وتسطيح الوعي.
أين ذهب الشعر بتركيزه المكثف؟ وأين توارى المقال الرشيق الذي ينبش في جمر اللحظة بسؤال ماكر؟ وكيف صار المسرح، وهو أبو الفنون، يبدو ضيفا ثقيلا؟ إن غياب المقال الفلسفي والمسرح الذهني عن الصدارة يعني غياب المواجهة المباشرة مع القضايا الكبرى. فالرواية غالبا ما تتدثر بالرمز والخيال وهو حقها الجمالي، غير أن العقل الجمعي يحتاج أيضا إلى المبضع الذي يمثله المقال؛ ذلك الفن الذي يواجه الواقع بلا أقنعة، ويطرح السؤال في وجه المسلمات.
دعوتنا اليوم ليست تقليلا من شأن السرد، إنما هي محاولة لفك الحصار عن بقية الجماليات. الكتابة الحقيقية هي التي توقظ الدهشة في أي ثوب ارتدته وليست تلك التي تلتزم بموديل أدبي رائج. ربما حان الوقت لنعيد الاعتبار لكل قلم يرفض القالب، ولكل فكرة تختار أن تخرج إلى الناس في هيئة قصيدة، أو مقال أو مشهد مسرحي.

