هرمز في متاهات قرمز
هرمز في متاهات قرمز
مضيقٌ تتكاثر حوله الحكايات، وتتشابك عند حدوده السياسة مع الذاكرة، حتى يغدو الاسم نفسه ساحةً أخرى للصراع. هكذا يبدو حال مضيق هرمز اليوم؛ ليس مجرد ممرٍّ مائي يعبره النفط، بل معبرٌ تعبره التأويلات، وتزدحم فيه الروايات بقدر ما تزدحم السفن.
في خضم التوترات السياسية التي تعصف بالمنطقة، عاد اسم “هرمز” إلى الواجهة، لا بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه رمزًا للسيطرة والنفوذ. كل طرفٍ يراقبه بعين، ويقرأه بلغة مصالحه، حتى صار المضيق أشبه بمرآةٍ تعكس القلق العالمي، أكثر مما تعكس صفاء البحر. وفي كل أزمة، يُعاد طرح السؤال ذاته: من يملك هذا الممر؟ ومن يملك القدرة على إغلاقه أو فتحه؟ وكأن الجغرافيا لم تعد ثابتة، بل قابلة لإعادة التعريف وفق ميزان القوة.
وفي ظل هذه الأحداث المتسارعة، برز موقف المملكة العربية السعودية بوصفه أحد أبرز ملامح الاتزان السياسي في المنطقة؛ إذ لم تنجرف نحو منطق التصعيد، بل اتخذت مسارًا قائمًا على الاحتواء ودرء الخطر. فقد دفعت باتجاه الحلول الدبلوماسية، وسعت إلى تهدئة التوترات عبر قنوات الحوار، بالتوازي مع تأكيدها على أهمية حماية أمن الملاحة الدولية في المضيق، باعتباره شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي.
ولم يقتصر هذا الدور على الجانب السياسي، بل امتد إلى البعد العملي؛ حيث عملت المملكة على تقليل آثار الأزمة في أسواق الطاقة، وضمان استمرار تدفق الإمدادات، بما يعكس وعيًا استراتيجيًا بأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن أي اضطراب في هذا الممر لا يهدد الإقليم وحده، بل العالم بأسره.
لكن في المقابل، برزت مقولاتٌ في برامج التواصل الاجتماعي تحاول أن تعيد صياغة الحكاية من زاويةٍ مختلفة؛ حديثٌ عن أن “هرمز” ليس إلا “قرمز”، وأن لهذا الاسم جذورًا في الذاكرة العربية، وأنه المكان الذي واجهه خالد بن الوليد في إحدى محطاته التاريخية. هنا، لا يعود الحديث عن السياسة وحدها، بل عن الهوية، عن محاولة استرداد الاسم، وكأن استرداد اللفظ استردادٌ للمعنى.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوءٍ عميق: ما الفائدة؟
هل تغيّر الأسماء واقعًا تتنازعه القوى؟ هل يُبدّل الجدل التاريخي مسار سفينةٍ في عرض البحر؟ أم أننا، في لحظة العجز، نلوذ بالذاكرة لنجد فيها انتصارًا رمزيًا يعوّض خسارات الحاضر؟
إن استدعاء التاريخ، في جوهره، فعلٌ مشروع، بل ضروري لفهم الامتداد الحضاري للأمة. لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى بديلٍ عن الفعل، أو حين يُستدعى لا لقراءة الحاضر، بل للهروب منه. فالمضيق اليوم لا يحتاج إلى من يعيد تسميته بقدر ما يحتاج إلى من يقرأ واقعه، ويدرك تعقيداته، ويتعامل معه بلغة العصر لا بلغة الحنين.
ربما تكمن المشكلة في أننا نبحث عن المعنى في الاسم، بينما المعنى الحقيقي يتشكل في الفعل. فـ“هرمز” أو “قرمز” لن يغيّر من موقعه الاستراتيجي شيئًا، ولن يبدّل من كونه شريانًا عالميًا تتقاطع عنده المصالح الكبرى. ما يتغير حقًا هو من يملك أدوات التأثير، ومن يستطيع أن يحوّل الجغرافيا إلى قوة، لا مجرد ذكرى.
في النهاية، ليست القضية في أن نثبت ماذا كان الاسم، بل ماذا نصنع نحن اليوم. فالأمم لا تُقاس بما تحفظه من أسماء، بل بما تضيفه من أفعال. وبين “هرمز” و“قرمز”، وبين ضجيج التاريخ وهدوء الحكمة، يبقى السؤال معلقًا: هل نريد أن ننتصر للتاريخ، أم أن نصنع تاريخًا جديدًا؟
بقلم د. عبدالرحمن الوعلان



