كُتاب الرأي

نقول كل شيء… إلا هذه الكلمة

نقول كل شيء… إلا هذه الكلمة

نتحدث كثيرًا، نبرّر، نناقش، نختلف، وربما نرفع أصواتنا أحيانًا… لكن حين نصل إلى لحظة واحدة بسيطة، نتوقف. كلمة صغيرة، خفيفة في نطقها، ثقيلة في معناها:( الاعتذار ).

نؤجلها، نستبدلها، نلتف حولها نقول: “لم أقصد”، “فهمتني غلط”، “الأمر ليس كما يبدو”، كل هذه الجمل ليست إلا محاولات للهروب من كلمة واحدة كان يمكن أن تختصر المسافة.

المفارقة أننا لا نخاف من الخطأ بقدر ما نخاف من الاعتراف به، كأن الاعتذار يعرّينا أمام أنفسنا قبل الآخرين، ويجعلنا نرى صورتنا بلا تبرير، بلا دفاع.

وفي علاقاتنا، لا تتراكم الأخطاء بقدر ما تتراكم الكلمات التي لم تُقل، كل كلمة “آسف” مؤجلة تتحول إلى مسافة صغيرة، ومع الوقت تكبر هذه المسافات حتى تصبح فجوة.

الغريب أننا نعرف قيمة هذه الكلمة حين نسمعها من غيرنا، نشعر بالراحة، بالتقدير، بأننا مرئيون، لكن حين يأتي دورنا نصمت.

نقول كل شيء… إلا هذه الكلمة، وكأنها آخر ما تبقى من شجاعتنا.
لكن ربما لم يفت الأوان بعد..
إحياء ثقافة الاعتذار لا يحتاج مواقف كبيرة، بل يبدأ من تفاصيل صغيرة، من لحظة نقرر فيها أن نقول “آسف” دون تبرير، دون التفاف، ودون انتظار أن يعتذر الطرف الآخر أولًا، أن نختار الوضوح بدل الراحة المؤقتة، والمواجهة اللطيفة بدل الصمت الطويل.

يمكننا أن نعيد الاعتذار إلى مكانه الطبيعي: ليس كاعتراف بالضعف، بل كدليل على النضج. أن نعلّم أنفسنا—ومن حولنا—أن الخطأ لا يُنقصنا، لكن تجاهله قد يفعل، وأن كلمة واحدة صادقة قد تُنقذ علاقة، أو على الأقل تمنحها نهاية واضحة بدل مسافة غامضة.

الأمر أبسط مما نظن:
رسالة قصيرة، اتصال صادق، جملة مباشرة من القلب.
نحن لا نحتاج أن نكون كاملين…
لكننا نحتاج أن نكون صادقين بما يكفي لقول:
“أنا أخطأت، وآسف.”
وربما حين نفعل ذلك، لن تختفي الأخطاء…
لكن ستختفي المسافات التي تتركها خلفها.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى