نحو تحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط
نحو تحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط
بعد الكارثة التي حلّت بـالشرق الأوسط نتيجة سياسات إيران التوسعية ونشرها للطائفية البغيضة وما ترتب عليها من توترات عميقة، بدءًا من تدخلاتها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وصولًا إلى تهديد أمن الخليج العربي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعطيل مسارات الاقتصاد العالمي في مضيق دولي لا يحق لها الإشراف عليه، فإن السلام في هذه المنطقة المستعرة لم يعد قضية قابلة للتأجيل، وأصبح استحقاقًا يفرض نفسه على الجميع.
التطورات الأخيرة المرتبطة بتحركات الولايات المتحدة وإسرائيل أعادت تشكيل المشهد، وكشفت حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمات فدائرة الصراع اتسعت، وأي مواجهة أصبحت قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية ذات تأثير عالمي، وهو ما يفرض مراجعة شاملة لمفهوم الأمن والاستقرار.
يمكن القول إن القوة العسكرية، رغم تأثيرها المباشر، إلا أنها دائمًا ما تترك خلفها بيئة مشحونة قابلة للاشتعال من جديد فالتجارب المتكررة في المنطقة تؤكد أن الحلول المؤقتة تمنح الصراع فرصة لإعادة إنتاج نفسه، وتزيد من تعقيد مسرح المشاهدة مع مرور الوقت.
علينا أن نستوعب جيدًا أن الطريق نحو السلام يمر عبر معالجة الجذور العميقة للنزاعات، وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي، الذي ظل لعقود مركز التوتر في المنطقة. غياب تسوية عادلة يترك الأبواب مفتوحة أمام الأزمات، ويجعل الاستقرار عرضة للاهتزاز في كل مرحلة.
أيضا فإن غياب منظومة إقليمية واضحة أسهم في تصاعد التنافس، وأوجد بيئة تسمح بتداخل المصالح وتضاربها. الحاجة اليوم تتجه نحو بناء إطار إقليمي يقوم على التوازن والاحترام المتبادل، ويضع حدودًا واضحة لأي تدخلات تهدد استقرار الدول.
كذلك فالتحولات الجارية أظهرت أن التحالفات لم تعد ثابتة، وأن الدول تعيد حساباتها وفق مصالحها المباشرة. هذا الواقع يفتح المجال أمام فرص جديدة لصياغة علاقات قائمة على التفاهم، ويمنح السلام مساحة ممكنة إذا توفرت الإرادة.
أما إذا انتقلنا نحو الجانب الاقتصادي سنجده يفرض حضوره بقوة؛ فاضطراب الطاقة وتعطل التجارة وتراجع النمو مؤشرات تعكس حجم الخسائر الناتجة عن استمرار الصراع، نعم لقد أصبح الاستقرار ضرورة تمس حياة الشعوب، وترتبط بمستقبل التنمية في المنطقة والعالم.
أما على المستوى الثقافي، فإن بناء السلام يتطلب جهدًا يعيد الثقة بين الشعوب، ويعزز قيم التعايش، ويحد من تأثير خطاب الكراهية الذي غذّى الصراعات لسنوات طويلة.
ويبقى دور جامعة الدول العربية عنصرًا مهمًا في هذه المرحلة، إذا ما تحوّل إلى دور فاعل يسهم في إدارة الأزمات وصناعة المبادرات، ويعزز من فرص الوصول إلى حلول متوازنة.
آخر المنعطف، إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية، تتطلب الانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة الاستقرار.
ينبغي أن تدرك إيران ومن يشابهها في التوجهات القمعية والعدائية أن السلام لم يعد خيارًا هامشيًا، إنما أصبح الطريق الوحيد القادر على حماية المنطقة وفتح آفاق جديدة نحو مستقبل أكثر أمنًا وتوازنًا.

