كُتاب الرأي

ميثولوجيا “كذبة أبريل”

ميثولوجيا “كذبة أبريل”

بقلم/ د. عبدالإله محمد جدع

✔️ يرتبط مطلع أبريل في الذاكرة الحديثة بتقليد “الكذب”، وهي عادة تسللت من الثقافات الغربية لتصبح طقساً عابراً للمزاح. وسواء كانت جذورها تعود لتعديل التقويم الفرنسي في القرن السادس عشر أو غيرها، فإن الإشكالية لم تعد في “الأصل التاريخي”ولكن في تحول الفكرة من واقعة احتمالية إلى سلوك نمطي يلبس ثوب الدعابة ليُطبع النفوس على قبول الزيف.
ولا تبدو “كذبة أبريل” شأناً بريئاً.. فهي في جوهرها ترويض ناعم على تزيين الزيف، ولا تقف خطورة الكذب عند خبر ملفق يلقى في يوم عابر.. فحين تُجمّل الألفاظ قبح الأفعال، يصنع اللسان ستاراً رقيقا يخفف وقع الكذب في الضمير، فيغدو الفعل “مسلياً” في الظاهر، “مقبولاً” في التداول.

✔️ ومن هذه العتبة يبدأ الانحدار.. فالكلمة العابرة تصير طرفة، والطرفة تتحول إلى أسلوب، والأسلوب يستحيل طبعاً واعتياداً، فعلمياً..يميل الدماغ إلى اعتماد المسار الذي يحقق منفعة عاجلة أو يدفع حرجا قريبا، ومع التكرار، يخفت اضطراب النفس وتألف ما كانت تنكره، حتى يتحول الكذب من زلة أخلاقية إلى استجابة جاهزة كلما ضاقت الحقيقة.. ثم تأتي المرحلة الأخطر حين ينتقل الكذب من “خداع الآخرين” إلى “خداع الذات”. فالمرء، بطبعه، لا يطيق رؤية نفسه منحدرة، فيلجأ إلى إعادة تأويل كذبه تحت مسميات براقة مثل (مجاملة، مداراة، أو مزحة لا تضر).
ومع توالي التبرير، يذوب الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم، ويبدأ الإنسان بتصديق روايته التي نسجها لنفسه. هنا، يتحول الكذب إلى حجاب كثيف بين المرء وبصيرته.. وتلك هي الخسارة البالغة، فإذا فسد باب معرفة النفس، عسرت النجاة.
✔️و الصدق كنسيج اجتماعي وضرورة رقمية ليس فضيلة هامشية،إنما هو الانسجام بين ما في النفس وما ينطق به اللسان وما هو ثابت في الواقع.. وحين يشيع الكذب، يضطرب النسيج الخفي الذي يربط الأفراد، وتوهن الثقة التي يستقيم بها العدل.. والمؤسف أن الكذب في عصرنا صار أسرع انتشارا وأشد فتكاً فقد استبدل المزاح العابر بمناخ “الترند” الرقمي الذي يحتفي بما “يُدهش” لا بما “يَصدق”. وإن استمراء الكذب من أجل حضور خاطف أو تأثير مؤقت يورث استخفافاً بمهابة الحقيقة داخل النفس.
و لقد جعل القرآن الكريم الصدق قرين التقوى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”. فالنجاة تبدأ من تعظيم الحقيقة في القلب، وتأديب اللسان على الصدق في الجد والمزح، فالحقيقة لا تحتاج إلى موسم، والصدق لا يعرف العطلات، فمن استمرأ الوهم زمناً، خسر نفسه قبل أن يخدع الناس.

أديب سعودي وكاتب رأي

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى