مفاوضات إسلام أباد تختبر هدنة هشة وسط فجوة عميقة بين واشنطن وطهران
مفاوضات إسلام أباد تختبر هدنة هشة وسط فجوة عميقة بين واشنطن وطهران
تستعد العاصمة الباكستانية إسلام أباد لاستضافة جولة مفاوضات مهمة يوم السبت (11) أبريل 2026م بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، في ظل هدنة لمدة أسبوعين أوقفت مؤقتًا العمليات العدائية. ورغم أن هذه الهدنة تُصنّف قانونيًا كوقف مؤقت للقتال، إلا أنها لا ترقى إلى إنهاء حالة الحرب، بينما تُقرأ عسكريًا كنافذة ضيقة لاختبار النوايا وإعادة ترتيب المواقع تحت ضغط مستمر.
وفي حال صمود هذه الهدنة، فقد تمهّد الطريق نحو وقف أوسع للعمليات العسكرية، يتبعه مسار تفاوضي قد يقود إلى معاهدة أو تسوية سياسية شاملة. غير أن هذا المسار يظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف—وفي مقدمتها النظام الإيراني—لمعالجة جذور التوتر، لا الاكتفاء باحتواء مظاهره.
ويعكس اختيار باكستان وسيطًا في هذه المفاوضات قرارًا محسوبًا، يستند إلى موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة. فإسلام أباد ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، ما يمنحها ثقلًا إقليميًا واضحًا، إلى جانب علاقاتها الممتدة مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب. وفي الوقت ذاته، تحافظ باكستان على قنوات اتصال قائمة مع طهران، ما يضعها في موقع فريد يتيح لها لعب دور الوسيط القادر على نقل الرسائل وتقريب وجهات النظر.
وقد حظي هذا الدور بتقدير واسع، باعتباره يعكس نضجًا دبلوماسيًا وقدرة على إدارة التوازنات في بيئة إقليمية معقدة.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب قنوات التفاوض، بل في طبيعة السلوك الذي ينتهجه النظام الإيراني منذ عقود، والذي اتسم بتغذية الصراعات الإقليمية وتوسيعها بدل احتوائها.
فقد استهدفت الاعتداءات المرتبطة بهذا السلوك المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي ودولًا مجاورة، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء بشكل مباشر أو عبر أذرع إرهابية مسلحة تابعة للنظام الإيراني وتعمل بتوجيهه المباشر.
وقد أكدت الجهات الرسمية تعرض منشآت ومرافق الطاقة لأضرار نتيجة هذه الهجمات، في انتهاك صريح لأمن الطاقة العالمي، وتهديد مباشر للممرات الحيوية، وهو ما يضع مسؤولية هذه الأعمال على عاتق النظام الإيراني بوصفه الطرف الذي يدير ويوجه هذه الأنشطة.
ولا تمثل هذه الاعتداءات حوادث معزولة، بل تعكس نهجًا ممنهجًا قائمًا على استخدام القوة غير النظامية وأدوات الإرهاب لفرض واقع إقليمي بالقوة، في تجاوز واضح لقواعد القانون الدولي ومبادئ سيادة الدول.
كما تكشف هذه الممارسات أن النظام الإيراني لم يكتفِ بإدارة الصراع، بل تعمد توسيع رقعته ونقل كلفته إلى محيطه العربي، رغم ما أبدته دول الخليج من حياد ومساعٍ متواصلة لاحتواء التصعيد.
في المقابل، تطرح الولايات المتحدة حزمة مطالب تهدف إلى الحد من مصادر التوتر، تشمل وقف التخصيب عالي المستوى، وإخضاع البرنامج النووي لرقابة دولية صارمة، والحد من القدرات الصاروخية، ووقف دعم الجماعات المسلحة، وضمان أمن الممرات البحرية.
أما الجانب الإيراني، فيقدّم مطالب مرتفعة السقف تُوصف بأنها شروط تعجيزية، إذ يدعو إلى رفع شامل وفوري للعقوبات، والإفراج عن الأصول المالية المجمدة، دون تقديم التزامات مقابلة واضحة. كما يتمسك ببرنامج نووي واسع، ويرفض القيود طويلة الأمد، ويطالب بضمانات أمنية، مع الاستمرار في سياساته الإقليمية الحالية.
وتعكس هذه المطالب بوضوح إصرار النظام الإيراني على الاستفادة من التهدئة دون تقديم تنازلات حقيقية، بما يكرّس نمط إدارة الصراع بدل السعي إلى إنهائه.
وبقراءة واقعية، فإن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعديل السلوك الاستراتيجي، بينما يواصل النظام الإيراني التمسك بأدواته ونفوذه الإقليمي.
وهنا تكمن المخاطرة، إذ إن أي هدنة لا تُقرن بتغيير فعلي في هذا السلوك قد تتحول إلى استراحة تكتيكية، يُعاد خلالها ترتيب أدوات التصعيد، وهو ما يمنح النظام الإيراني فرصة إضافية لإعادة تموضعه دون تغيير جوهري في نهجه.
الخلاصة
1 . إن نجاح مفاوضات إسلام أباد لا يُقاس بتوقيع هدنة مؤقتة، بل بمدى القدرة على إلزام النظام الإيراني بالتخلي عن شروطه التعجيزية ونهجه التوسعي عبر الأذرع الإرهابية المسلحة، واحترام سيادة الدول وأمن الممرات البحرية.
2 . في حال غياب هذا التحول، فإن أي اتفاق سيظل هشًا، وستبقى المنطقة عرضة لدورات متكررة من التوتر، لأن أصل المشكلة لا يكمن في غياب التفاهم، بل في استمرار السلوك الذي أنتج الأزمة.
3 . حيث لا توجد قوة، لا يمكن أن يكون هناك قانون ، و قد يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس في بعض الوقت، لكن لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت .
اللواء البحري الركن المتقاعد
عبدالله بن سعيد الغامدي
