كُتاب الرأي

مئتا ريال… ونصف الحقيقة

مئتا ريال… ونصف الحقيقة

في أحد الأيام، توجهتُ إلى ورشة صيانة سيارات بهدف إجراء بعض الإصلاحات اللازمة لسيارتي. كنت أبحث عن الوضوح والاتفاق المسبق، فاتفقت مع أحد العمالة على تنفيذ العمل مقابل مبلغ محدد وقدره مئتا ريال. بدا الأمر في بدايته بسيطًا ومنظمًا، واتكأتُ على هذا الاتفاق باعتباره أساسًا للثقة بيني وبين مقدم الخدمة.

لكن ما حدث لاحقًا كان مفاجئًا ومثيرًا للتساؤلات.

فبينما كنت أتابع سير العمل، اكتشفت أن الشخص الذي أبرم الاتفاق معي لم يكن هو من يقوم فعليًّا بإصلاح السيارة، بل تولى عامل آخر المهمة بالكامل. هذا التغيير المفاجئ دفعني للاستفسار، خاصة أن جودة العمل الذي قام به العامل الثاني كانت ملحوظة ومحل إعجاب، وقام بعمله بكل ثقة وأمانة.

عند سؤالي للعامل الثاني، أوضح أن العمل في الأصل من اختصاصه، وهنا ازداد استغرابي.

وبعد برهة من الزمن جاءني العامل الأول بنفسه وقال: لقد اتفقتُ معك على مبلغ مئتي ريال، وبما أن العامل الآخر هو من قام بالعمل، فأعطه مئة ريال فقط، وسأتحمّل أنا الفرق.

في تلك اللحظة، لم يعد الموقف مجرد خلاف مالي بسيط، بل أصبح مثالًا واضحًا على خلل في القيم المهنية. كيف يمكن لشخص أن يتفق مع العميل بكامل المبلغ على عمل لم يكن من صلاحيته أو من تخصصه؟ وكيف يُختزل جهد العامل الحقيقي إلى نصف قيمته دون مبرر واضح؟

الأمر لم يكن متعلّقًا بالمبلغ بقدر ما كان متعلّقًا بمبدأ العدالة. فالعامل الذي أنجز العمل يستحق الأجر كاملًا، تقديرًا لجهده ووقته ومهارته. أما محاولة الاستحواذ على جزء من هذا الأجر دون وجه حق، فهذا سلوك يطرح تساؤلات حول النزاهة والنّـية.

مثل هذه المواقف، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس واقعًا قد يمر به الكثيرون في تعاملاتهم اليومية، حيث تختلط المصالح الشخصية بروح العمل، ويغيب أحيانًا الضمير المهني. وهي تذكير مهم بأن الثقة لا تُبنى بالكلام فقط، بل بالمواقف والتصرفات.

في النهاية، تبقى الأمانة هي الأساس في أي تعامل، والعدل هو ما يحفظ الحقوق ويصون العلاقات. فحين يغيب هذان العنصران، تتحول أبسط المعاملات إلى مواقف محبطة، وتصبح التجارب اليومية دروسًا قاسية في فهم طبيعة بعض النفوس.

هذه القصة ليست مجرد حادثة عابرة، بل رسالة واضحة: ليس كل اتفاق يضمن العدالة، لكن الأخلاق وحدها هي التي تضمنها.

تركي المالكي 

كاتب رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى