*ليس كل تباطؤ تعثرًا*
*ليس كل تباطؤ تعثرًا*
*كيف تدير المملكة نهضتها بعقل اقتصادي لا بعاطفة جماهيرية*
*✒️محمد عمر المرحبي*
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتُختزل فيه القضايا الكبرى في مقاطع قصيرة وتحليلات سطحية أصبح من السهل على البعض أن يختزل مشروعاْ وطنياْ بحجم نهضة المملكة في عنوان عابر توقف مشروع أو تعثر خطة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداْ وأكثر عمقاْ.
منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 لم تكن المملكة تسير في طريق سهل أو مستقر بل اختارت مساراْ صعباْ يتطلب إعادة هيكلة اقتصاد كامل كان يعتمد تاريخياْ على مصدر واحد للدخل.
هذا التحول لم يحدث في بيئة مثالية بل تزامن مع:
جائحة عالمية عطلت سلاسل الإمداد
تقلبات حادة في أسعار النفط
تضخم عالمي غير مسبوق
توترات جيوسياسية أثرت على الاستثمارات الدولية
ومع ذلك ماذا تقول الأرقام؟
وفق تقارير صندوق النقد الدولي، حققت المملكة في عام 2022 أحد أعلى معدلات النمو بين دول مجموعة العشرين، متجاوزة 8% وهو رقم لم تأتِ به الصدفة بل نتيجة إصلاحات هيكلية عميقة.
كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر تنوعاْ، حيث ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية بشكل ملحوظ وهو أحد الأهداف المركزية للرؤية.
لكن هنا السؤال الحقيقي:
إذا كانت المؤشرات الكلية إيجابية فلماذا يظهر انطباع التعثر عند البعض؟
الجواب يكمن في سوء فهم طبيعة المشاريع العملاقة.
خذ مثال نيوم وذا لاين هذه ليست مشاريع تقليدية تُقاس بجدول زمني بسيط بل مشاريع تأسيسية تعيد تعريف مفهوم المدن والاقتصاد الحضري.
في علم إدارة المشاريع الكبرى (Mega Projects) هناك مبدأ معروف:
إعادة الجدولة وإعادة تخصيص الموارد جزء من النجاح لا دليل على الفشل
بل إن دولاْ مثل:
الولايات المتحدة
الصين
قامت مراراْ بإيقاف أو تعديل مشاريع بمليارات الدولارات ليس بسبب العجز بل بسبب تغير الأولويات أو إعادة تقييم المخاطر.
ما يحدث في المملكة اليوم يدخل في هذا الإطار:
إعادة توجيه السيولة نحو قطاعات ذات عائد أسرع
ضبط الإنفاق بما يتناسب مع الظروف العالمية
إعادة تصميم بعض المشاريع لتحقيق كفاءة أعلى
وهذا سلوك اقتصادي عقلاني لا ارتباك.
بل دعوني أكون أكثر صراحة معكم:
المطالبة باستمرار ضخ الأموال بنفس الوتيرة بغض النظر عن المتغيرات ليست وطنية بل سذاجة اقتصادية.
الوطنية الحقيقية هي فهم أن الاستدامة أهم من الاستعراض.
التحدي الأخطر اليوم ليس اقتصادياْ بل معرفي.
حين يصدق الشاب كل ما يُنشر دون تمحيص أو يعيد تدوير الإشاعات فإنه يشارك دون قصد في إضعاف الثقة وهي عنصر أساسي في أي اقتصاد حديث.
الأسواق لا تقوم فقط على المال بل على الثقة.
والثقة تُبنى بالوعي لا بالعاطفة.
ولهذا، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى جيل:
يفهم الفرق بين تأجيل وإلغاء
يميز بين إدارة المخاطر والهروب منها
يدرك أن القرارات الاقتصادية لا تُبنى على الانطباعات بل على بيانات ونماذج معقدة
إن ما يحدث اليوم في المملكة ليس تراجعاْ عن الطموح، بل انتقال من مرحلة الانطلاق إلى مرحلة الضبط والتوازن.
وهذه أخطر المراحل وأكثرها أهمية.
لأن الدول لا تفشل حين تحلم بل حين تعجز عن إدارة حلمها.
والمملكة، حتى الآن لا تدير مشروعها بعقلية رد الفعل بل بعقلية من يعرف متى يتقدم ومتى يعيد الحساب ومتى يؤجل ليضمن استمرارية أقوى.
الخاتمة:
إذا أردت أن تكون جزءاْ من هذه النهضة فلا تكتفِ بالحماس
بل طوّر وعيك.
اقرأ تحقق ناقش ولا تكن مجرد ناقل لما يُقال.
فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض
بل في العقول.