كُتاب الرأي

لماذا ترتعد الفناجين؟

 لماذا ترتعد الفناجين؟

فيصل الكثيري 

يدهشني كيف يتحول السؤال في مجالسنا إلى قنبلة موقوتة، يهرع الجميع لإطفاء فتيلها قبل أن تحرق سكون العادة. ما إن أُعمل عقلي في أمرٍ شاع بين الناس حتى يأتيني الرد المعلب: «دعها كما هي، لا تفتح على نفسك أبوابا أُغلقت». وكأن العقل وحش كاسر ينبغي ترويضه، أو كأن الفهم عبء يثقل كاهل الغافلين. ​لقد استمرأ الناس طعم التبعية؛ لأنها معفاة من الضرائب النفسية. فالتفكير مكلف والبحث عن الحقيقة يتطلب شجاعة لا يملكها من اعتاد الاتكاء على أفهام الآخرين. نحن لا نخاف من الجهل، فنحن نعيش فيه بسلام، ونخاف من الضوء الذي يكشف تجاعيد أفكارنا المهترئة. حين أصمت، لا أفعل ذلك عجزا وحين أتأمل، لا أفعل ذلك ترفا. الفكر عندي هو الاشتباك الأول مع الوجود، هو تلك اللحظة التي أقرر فيها ألا أكون مجرد صدى لصوتٍ مات صاحبه منذ قرون. إن شكر الله على نعمة العقل لا يكون بحفظه في صندوق الأمانات الاجتماعي إنما يكون باستنزافه في الفهم، واستفزازه بالبحث، وإلا صار تعطيله خيانة عظمى للأمانة التي عجزت عنها الجبال.
​إن الذين يضيقون بالأسئلة يظنون أن في الجمود نجاة، وفي النقل طمأنينة، مع أن نداء الخالق كان صريحا ومدويا: «أفلا تعقلون»، «أفلا يتدبّرون». لم يكن هذا النداء دعوة للاسترخاء الذهني ،إنما كان أمرا بالاستيقاظ من غفوة القطيع. حين أفكر، أشعر أني أستعيد كرامتي المسلوبة تحت ركام المسلمات. أرى الوجود منسوجا بحكمة دقيقة، لا تقبل التسطيح الذي يمارسه وعاظ السكون. التفكير ليس عائقا دون الإيمان، هو الطريق الوحيد إليه؛ فالإيمان الذي يولد من رحم التساؤل والشك أصلب عودا وأعمق جذورا من إيمان الوراثة الذي تذروه رياح أول شبهة. إن الهجوم على العقل محاولة لخصاء الإنسان معرفيا. ومن يختار إطفاء سراج فكره خشية الحيرة يشبه من يفقأ عينيه هربا من رؤية القبح؛ هو لم يلغِ القبح، هو فقط اختار أن يعيش في عاهة مستديمة.
​يا من وهبك الله عقلا في زمن الاستهلاك المعرفي، لا تسلمه لكسل الجماعة ولا تطفئه بخوف المترددين. الفكر جهاد والسؤال صلاة، وفي محراب الوعي وحده تتجلى الحقائق عارية من زيف التلقين. فإذا غصت بصدق، أدركت أن أعظم رزق ساقه الله إليك ليس الإجابة، بقدر ما هو ذلك السؤال الذي أرق مضجع جهلك.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى