كُتاب الرأي

لماذا أنا لست ملحدًا؟

لماذا أنا لست ملحدًا؟

د.هشام محفوظ

4شوال 1447
23مارس 2026

في زمن تتعدد فيه الأفكار ، وتتسارع فيه الأسئلة، ومنصات الحوارات الجريئة ، لم يعد الحديث عن الإيمان والإلحاد أمرًا نادرًا أو معقدًا كما كان من قبل . بل أصبح سؤالًا يطرحه كثير من الشباب : لماذا أؤمن؟ ولماذا لا أكون ملحدًا؟
بالنسبة لي أنا شخصيا، الأمر ليس مجرد موقف عقلي جاف ، ولا هو تقليد موروث فقط، بل هو مزيج من التفكير المنظم والتجربة والشعور الهادئ الذي لا يجرح من خالفني هذا الشعور. أنا لست ملحدا لخمسة أمور اجتهدت في أنال بها راحة القلب والشعور بالرحمة الربانية وأدعو الله أن يقبلني بها :
أولًا، لأن هذا الكون ليس عبثيًا كما يقول البعض أحيانًا.
عندما نتأمل السماء وما فيها، والبحار وما بها، والجبال وشموخها الرهيب ، أو دقة قوانين الطبيعة، أو حتى أجسادنا بتفاصيلها ، نجد نظامًا مذهلًا يصعب أن يكون مجرد صدفة أو عشوائية. فكرة أن كل هذا جاء بلا قصد تترك في النفس فراغًا مرعبا لا يُقنع القلب ولا العقل معًا .
ثانيًا، لأن الإنسان بطبيعته يبحث دائما عن معنى تستقر به ملكاته .
نحن لا نعيش فقط لنأكل ونشرب ونعمل ونتناسل ونربح أموالا أو نحقق شهرة ، فهناك لابد من أن تأتي أوقات نسأل فيها أنفسنا: لماذا نحن هنا في هذه الحياة؟ ما الهدف من تلك الحياة؟
الإيمان يمنح إجابة : هناك غاية، وهناك حساب، وهناك قيمة لكل فعل نقوم به في حياتنا .
ثالثًا، لأن الأخلاق لا تبدو مجرد اتفاق متحضر بين الناس .
لماذا نشعر ونعي أن الظلم خطأ حتى لو لم يكتشفه أحد؟ ولماذا نحترم الصدق بالفطرة ونكره الخيانة؟
هذا الإحساس الداخلي يوحي بأن هناك ميزانًا أعمق من مجرد القوانين البشرية .
رابعًا، لأن الإيمان يمنح الإنسان قوة في أوقات الضعف ونجد أنفسنا بالفطرة نقول يارب في أوقات المرض والشدة عندما تعجز أسباب الأرض عن نجاتنا .
في لحظات الألم أو الفقد أو الحيرة، يشعر الإنسان وليس المؤمن فقط أنه ليس وحده في هذا الوجود ، وأن هناك من يسمعه ويراه ويعلم ما بداخله يتابع وعيه الذي تختبئ فيه النية والضمير. هذا الشعور ليس وهمًا سهلًا، بل طاقة نفسية روحانية لطيفة حقيقية تساعد الإنسان على الاستمرار إيجابيا في الحياة .
خامسًا، لأن الإيمان لا يمنع التفكير ، بل يشجعه.
الإيمان الحقيقي لا يقول لك أو لغيرك : لا تسأل ، أو لا تفكر .
بل يقول: اسأل، وابحث، وتأمل ، وستصل.
أما الإلحاد ، فإنه قرار أناني متعجل ، يغلق الباب مبكرًا ويقول : لا شيء وراء هذا الكون ، لا ترهق فكرك ، عش لملذاتك وتمتع ولا تسأل عن أي غاية من وجودنا، ويجعلك تنزع من مكونك النفسي والفكري أن هناك حسابا بعد الممات ، أوهناك قيمة لكل فعل نقوم به في حياتنا . .
في النهاية، أنا لست ملحدًا لأنني لم أجد في الإلحاد إجابة كاملة شافية تُرضي عقلي وقلبي معًا.
وأؤمن لأنني أرى في الإيمان معنى ساميا يريح النفس والروح، وطمأنينة ، وتفسيرًا أعمق للحياة .
الإيمان بالنسبة لي ليس هروبًا من التفكير، بل هو نتيجة رحلة تفكير صامت ، انتهت باليقين ، وبوعد علوي جليل من الخالق العظيم في كتابه العزيز؛” وبشر الصابرين”!!

كاتب رأي

 

 

د.هشام محفوظ

كاتب وناقد وشاعر _ وإعلامي وإذاعي مصري _ عضو اتحاد كتاب مصر _ نائب رئيس شبكة البرنامج العام _ وكبير مذيعي إذاعة البرنامج العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى