لكل عيدٍ حكاية
لكل عيدٍ حكاية
لكل عيد حكاية ولكلِّ قلبٍ حكايةٌ في العيد… وحكايتي تبدأ من هناك
اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا الله، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، ولله الحمد…
بهذا النداء كانت تبدأ الحكاية، لا كصوتٍ يُسمع فحسب، بل كنبضٍ يسري في البيوت، فيوقظ الفرح دفعةً واحدة.
في تلك الليلة، ليلة إعلان العيد، كنّا ننتظر صوت المذيع كأننا ننتظر بشارة السماء، وما إن يعلن: غدًا أول أيام العيد حتى يتغيّر كل شيء؛ تشرق الوجوه، وتتعالى البسمات، ويغدو البيت كخليةٍ من البهجة. كانت أمي تتحرّك بخفّةٍ محبّة، تُكمل ترتيب مجلس الرجال، وتراجع ما ينقصها من حاجات السوق، وكأنها تريد أن تصنع للعيد صورةً كاملة لا يعتريها نقص. وفي تلك الأثناء، كان أبي وخالي يستعدّان لمهمتهما التي بدت لي—وأنا طفل—أعظم من كل شيء: شراء “حلاوة العيد” وفطور الصباح، وكأن الفرح نفسه يُشترى ويُحمل إلى البيت.
كنتُ أرى كل ذلك بعين الطفل، فأحسبه الجنة بعينها؛ لا همّ، ولا نقص، ولا غياب. وأذكر تفاصيل صغيرة لم تغادرني قط، كشوكولاتةٍ في داخلها مربّى المشمش، وعلى غلافها عبارة: صنع في حلب، كانت بالنسبة لي كنزًا صغيرًا بطعمٍ لا يُنسى، وكأنها تختصر معنى العيد كله في قطعةٍ حلوة.
ثم تمتدّ الذاكرة بي إلى سوق الخان في أيامه الأخيرة؛ تلك الأزقّة التي كانت تضجّ بالحياة، وأفران الخبز المتوالية خلف بعضها، كأنها صفوف دفءٍ لا تنتهي، وفي المقابل محلات الأجبان، و”التعتيمة المدينية” التي تحمل نكهة المكان وروحه. كانت تلك التفاصيل تصنع مشهدًا لا يُنسى، مشهدًا لا يُحكى بقدر ما يُعاش.
ومع انقضاء الساعات، كنّا نتجه إلى المسجد النبوي، حيث ترتفع التكبيرات في مشهدٍ مهيب، يختلط فيه صوت الناس بخشوع المكان، فيبدو كالحلم. هناك، ينساب الصوت العذب للشيخ عبد العزيز بن صالح، فيملأ الروح طمأنينة، وكأن الكلمات ليست تُتلى فحسب، بل تُزرع في القلب.
ثم تتردّد أصداء مدافع العيد من أعلى جبل سلع، فتدوّي في الأفق إعلانًا جليلًا لقدوم الفرح، فيما كنت أرفع بصري لأراقب أسراب الحمام وهي تحلّق، كأنها تشاركنا هذا العرس الروحي.
كل تلك المشاهد كانت تتصل في داخلي كخيطٍ واحد، لا ينقطع، خيطٍ من نور الطفولة الصافية، حيث كان العيد فرحًا خالصًا لا يُنازعه شيء.
لكن الزمن يمضي…
ويعود العيد، لا كما كان، بل كما أصبحنا نحن.
تغيب بعض الوجوه التي كانت تملأ المكان حياة، وتسكن بعض الأصوات التي كانت تصنع للعيد نغمته، فيقف القلب لحظةً بين الفرح والحنين، ويتمتم:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ، بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ؟
ومع ذلك، فإن العيد لا يفقد معناه، بل يتبدّل في أعماقنا. لم يعد فرحًا طفوليًا خالصًا، لكنه أصبح أعمق، ممتزجًا بالوفاء، مشبعًا بالذكرى، مكلّلًا بالشكر.
هنا ندرك أن لكلِّ قلبٍ حكايةً في العيد؛ فهناك من يركض نحو الفرح، وهناك من يسير إليه محمّلًا بذكرياته، لكن الجميع يلتقون عند معنى واحد: أن الفرح في العيد ليس ترفًا، بل عبادة.
فالإنسان يُظهر الفرح لا لأنه خالٍ من الحزن، بل لأنه ممتلئ بالإيمان؛ يُظهره شكرًا لله، وإحياءً لمعنى النعمة، ورحمةً بالآخرين. قال الله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
فالفرح هنا إعلان رضا، ورسالة أمل، وجسر يصل القلوب ببعضها.
واليوم، ونحن على مشارف العيد، نحمد الله على نعمة الوطن… ذلك العيد الكبير الذي لا ينقطع، والأمان الذي يظلّل أفراحنا. إنّ أعداء الخير قد يزعجهم ما ننعم به من أمنٍ واستقرارٍ وسعادة، ويحاولون—بائسين—تعكير صفو الفرح، لكن هذا الوطن، بفضل الله ثم بفضل قيادته الحكيمة، ماضٍ في خيره، راسخٌ في أمنه، ثابتٌ في وحدته. لذلك تبقى أفراحنا ممتدّة، لا تنحصر في بيتٍ أو مدينة، بل تسري في كل أرجائه، في طمأنينةٍ تُشبه الدعاء المستجاب.
وهكذا، يصبح العيد مساحةً نجمع فيها بين ما نشعر به وما نُقدّمه؛ نبتسم رغم الحنين، ونهنّئ رغم الغياب، ونُشيع البهجة لأن في ذلك حياةً للقلوب. إننا لا نُخفي الألم بقدر ما نُحسن إدارته، ولا نتصنّع الفرح بقدر ما نختار أن نكون سببًا فيه.
وهنا يتجلّى المعنى الأجمل: أن العيد ليس فقط ما نعيشه، بل ما نصنعه في قلوب الآخرين. ابتسامةٌ صادقة، كلمةٌ طيبة، زيارةٌ دافئة… قد تكون عند الله أعظم من كثيرٍ من المظاهر، لأنها تُعيد النور إلى قلبٍ كاد أن ينطفئ.
لذلك، يبقى العيد—مهما تغيّر—وعدًا متجدّدًا؛ أن نُصلح ما في داخلنا، وأن نُبقي للفرح مكانًا، وأن نحفظ للذكريات وفاءها.
يبقى العيد لأننا نؤمن أن لكلِّ قلبٍ حكاية،
وأن أجمل تلك الحكايات…
ما كُتب فيها الفرح لله،
ثم أُهدي للناس.
ولنغنِّ سويًا…
ومن العايدين، ومن الفايزين، وكل عامٍ وقلوبنا بخير…
فربما كانت هذه الكلمات البسيطة،
هي العيد الذي ينتظره قلبٌ ما.
بقلم د.عبدالرحمن الوعلان
