كُتاب الرأي

لستُ بالغاً ، فهل أفعل ما أشاء؟!

لستُ بالغاً ، فهل أفعل ما أشاء؟!
.
.

في لحظة أبوية هادئة، كنتُ أستكشفُ مع أحد أطفالي تفاصيل يومه الدراسي، ولم أكن أعلم أن حواراً “خطيراً” قد دار بينه وبين معلمه سيقلب موازين تفكيري في تلك الليلة. أخبرني بأن المعلم قرر تبسيط المفاهيم الشرعية لهم، فأخبرهم بابتسامة: “أنتم يا صغاري غير مكلفين بالعبادات قبل سن البلوغ، ولا تُسجل عليكم أي ذنوب”.
إلى هنا، بدا الأمر في إطاره الشرعي الصحيح، لكن المفاجأة الصادمة كانت في “وعي الصغير” الذي التقط الخيط بذكاء فطري حاد، ليسأل معلمه: “يا أستاذ، أنا لست بالغاً.. فهل يعني هذا أن أفعل ما أشاء؟”، فجاء الرد الذي أثار قلقي: “نعم، لست محاسباً قبل البلوغ!”.
هذا الجواب، رغم صحته الفقهية المجردة، يفتح باباً واسعاً أمام “فوضى أخلاقية” قد تعصف بضمائر أطفالنا قبل أن تنضج. فكيف نوازن بين قاعدة “رفع القلم” وبين ضرورة بناء الضمير الحي الذي لا ينتظر سن التكليف ليبدأ بالتمييز بين الحق والباطل؟

إن إخبار الطفل بأنه “غير محاسب” دون سياق تربوي ضابط، قد يتحول من “رخصة شرعية” إلى “ثغرة سلوكية”. فالعقل الصغير يميل للتبسيط، وعندما يسمع أنه لن يُحاسب، قد يترجم ذلك بأن “الفعل لا قيمة له”. والخطورة تكمن في أن الأخلاق لا تتجزأ؛ فالصدق والأمانة واحترام حقوق الآخرين هي قيم ثابتة، والتهاون فيها بدريعة عدم التكليف يبني عادات مشوهة يصعب تصحيحها لاحقاً.

كما أن على المعلمين والمربين استبدال خطاب “سقوط العقوبة” بخطاب “بناء الشخصية”،
فيجب إفهام الطفل أن هذه المرحلة هي “مرحلة تدريب على البطولة”. نحن نلتزم بالقيم ليس خوفاً من العقاب فحسب، بل لأننا نستعد لنكون أشخاصاً كباراً ومسؤولين يحبهم الله وبدلاً من القول “لن يحاسبك الله على كذبك”، يُقال “الكذب يفسد جمال روحك ويجعل الناس لا يثقون بك”. التركيز على أثر السلوك يبني “رقابة ذاتية” بدلاً من انتظار “رقابة خارجية”.وإن من الضروري تعليم الطفل أن “رفع القلم” يتعلق بالحق الإلهي، أما حقوق الناس من احترام وممتلكات ومشاعر، فهي حقوق يجب التعويض عنها والاعتذار منها، ليدرك أن لكل فعل أثراً واقعياً يتحمله.
ومن المهم جداً للتربويين والمعلمين وأولياء الأمور تعزيز رصيد الحسنات والتركيز على أن هذه الفترة هي فرصة “مجانية” لجمع رصيد هائل من المكافآت دون أن ينقصها شيء، بدلاً من التركيز على غياب السيئات.
كما أنه من الحزم التربوي “رفع القلم” شرعاً لا يعني “رفع اليد” تربوياً؛ فالمحاسبة التربوية (مثل الحرمان من ميزة أو الاعتذار) ضرورية لمنع الفوضى الأخلاقية. والتأكيد على أن البلوغ تتويج لمرحلة وليس بداية فيجب أن يكون سن البلوغ هو يوم “التتويج” لشخص تم إعداده مسبقاً، وليس مفتاحاً سحرياً ننتظر منه تغيير السلوك بين ليلة وضحاها.

إن مهمة المعلم، ليست مجرد نقل أحكام جافة، بل هي صناعة إنسان.
إن التوازن بين إشعار الطفل برحمة الله وبين تعظيمه للحرمات هو الضمانة الوحيدة لحماية أجيالنا من الانحراف المبكر، لئلا يتحول “رفع القلم” إلى “رفعٍ للقيم” في نفوسهم، لذلك وجب الحذر مما قد يسببه التوجيه الخاطئ من انحرافات سلوكية قد تكلف المجتمع والأسرة الكثير والكثير.

علي معشي.🖊

 

علي أحمد المعشي

أديب وشاعر فصحى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى