آفاق في عين العالم

لا تقابل أبطالك

لا تقابل أبطالك

وليد قادري

من اللحظة الأولى التي رأيت فيها تزاحم زملائي بالمدرسة على شباك المقصف، مرورًا بالأرتال البشرية التي تتسلل لتحظى بلمس الحجر الأسود أو رمي الجمرة الكبرى، وبرفقة مشاهد التدافع على رغيف العيش في الأفلام القديمة، وصولًا لحالة الازدحام لجماهير تنتظر فريقها وثلة مهووسة بنجم ما تريد التقاط صورة معه أو تحظى بتوقيعه على كرة أو قميص أو كتاب أو حتى جبهة فارغة، وأنا أهرب من زحام البشر كمرتحل عند بوابة مدينة أصيبت بالطاعون في القرون المظلمة..

حالة الاكتظاظ هذه لها ألف تبرير عندما تتماسّ مع احتياج بشري كالأكل أو روحي كالعبادة، لكنها كذلك تغذية سلبية لغرور بعض من يرى أن شهرته هي تذكرة ذهاب إلى قلوب الناس بلا عودة وأنه شخص جدير بالاحتفاء وحتى الاقتناء، فهو بطل، أليس كذلك؟!

ولأنه بطل فمن حقّه أن ينظر إليك شزرًا، وأن يراك أقل من أن يتحدث إليك، وأرقى من أن يشاهدك الناس معه، وقد يتنازل عن هذا الحق مع شخص مسؤول أو مع أنثى فاتنة، لكنه لا يتنازل أبدًا لك يا صديقي المعجب المغمور..

قالوا قديمًا لا تقابل أبطالك..
Don’t meet your heroes..
ربما لو قابلتهم لرأيت ما لا يسرك، كمن يسافر سنوات ضوئية إلى نجم وهّاج، ليكتشف أنه ثقب أسود يأخذ ولا يعطي، يحمل روحًا داكنة لا يُرجى لها أمل، أو قد ترى سقوط الأقنعة المثالية عنهم، تكتشف قبحهم الذي أخفته أنوار الشهرة، والصفات الدنيئة التي يستعيذ منها الشيطان بينما يصفق خفية كي لا يعتقد بقية الشياطين أنه لم يكن له دور في هذا الانحطاط، وحتى إن كان بطلك شخصًا لطيفًا، فقد يتجاهل رسالة لك ضمن آلاف الرسائل، أو يمضي من أمامك ولا يلتفت، وقد يعاديك إن دخلت في مجاله مستقبلًا ونافسته، وقد يحطم إعجابك به بتصرف لا يليق..

ولأنني تطرفت في وجهة نظري هنا، وابتعادًا عن زحام الكلمات أعلاه، دعني اصيغها بطريقة أكثر لطفًا، أنت بطل نفسك، والبطل الوحيد الذي يستحق أن تقابله هو أنت في المستقبل، لا مانع أن نقتدي بغيرنا -في الصفات- لكن لا نصل للانبهار الذي يعمي أعيننا عن الحقيقة، فمن تظن بهم خيرًا أو شرًّا قد لا يكونون كذلك، ومن ندفع من وقتنا وجهدنا لهم بالساعات لنحظى بلحظة أو لقطة قد يكسروا خاطرنا وإن بغير قصد، فهم بشر مثلنا، يبدعون ويخطؤون، ولا مانع أن نعجب بهم ونشجعهم، لكن أنت البطل، بطل قصتك الوحيد، أليس كذلك؟!

ولأنك بطل فلا يليق بك التزاحم ولا يستهويك الطريق التي تتجه إليه الحشود، وحدك تعرف الوجهة الحقيقية التي تنتظرك، وحدك فقط..

كاتب رأي

 

 

وليد قادري

كاتب رأي وقاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى