كُتاب الرأي

لا تصنع موقفًا… إن كنت عاجزًا عن النجاة منه

لا تصنع موقفًا… إن كنت عاجزًا عن النجاة منه

* عبدالمحسن محمد الحارثي*

ليست كل المبادرات شجاعة، فبعضها اندفاعٌ مقنّع، يدفع صاحبه ثمن ما لم يُحسن تقديره، حين يعجز عن احتواء ما صنعه بيده.

ليست كلُّ المواقف التي تُصنع تُحمد، ولا كلُّ المبادرات تُحسب لصاحبها إن لم يُحسن إدارتها. فصناعة الموقف دون وعيٍ بمآلاته ليست شجاعة، بل مقامرةٌ مغلّفة بثقة زائفة. وكما يُنسب إلى ويليام شكسبير أن بعض الناس يصنعون الأحداث، فإن القليل فقط هم من يملكون القدرة على النجاة منها.

إن من يخلق موقفًا ولا يستطيع معالجته، لا يقع في الحرج وحده، بل يُسهم في تآكل صورته أمام الآخرين. فالفعل الذي لا يتبعه احتواء، يتحول من مبادرة إلى عبء، ومن حضور إلى ورطة. وهنا تتجلّى الفكرة التي ألمح إليها فريدريك نيتشه: من لا يُحسن قيادة نفسه، سيُقاد بقراراته المرتبكة.

القوة الحقيقية لا تُقاس بخلق المواقف، بل بحسن إدارتها. فمن استطاع معالجة المواقف، فهو قويٌّ في أصل المعنى، غير أن هذه القوة تفقد مشروعيتها حين تتكئ على السلطة والجبروت. فإدارة الموقف بالقهر ليست حلًا، بل شكلٌ آخر من أشكال الظلم الذي نهى عنه الدين، وحذّر من مآلاته.

والمواقف في الحياة أكثر من أن تُحصى، وكثيرٌ منها لا يستحق أن يُمنح فرصة الظهور. وهنا يظهر خُلُق التغافل، ذلك الخُلُق الذي عبّر عنه الحسن البصري بقوله: “ما زال التغافل من شيم الكرام”. فليس كل ما يُقال يُجاب عنه، ولا كل ما يُرى يُعلّق عليه. إن تجاهل بعض المواقف ليس ضعفًا، بل ذكاء في تقليل الخسائر.

ومن الحكمة كذلك أن يعرف الإنسان قدرته؛ فمن لا يُحسن معالجة الموقف، فالأجدر به ألا يخلقه. فالقيمة ليست في كثرة الأفعال، بل في جودة نتائجها، وهو ما يتناغم مع قول علي بن أبي طالب: “قيمة كل امرئ ما يُحسن”.

غير أن المواقف لا تُفهم بمعزل عن العقول التي أنتجتها. فالناس يتفاوتون بين رجاحةٍ ورجاحةٍ أقل، بل وربما رجاجة. ومن الخطأ أن تُخاطب جميع العقول بمنطقٍ واحد. وكما يرى أرسطو، فإن اختلاف العقول هو ما يصنع اختلاف الاستجابات. لذا، فإن الحكمة ليست في الردّ على الموقف، بل في فهم العقل الذي صدر عنه.

وما أكثر ما تقطّعت العلاقات بسبب مواقف عابرة تُركت دون معالجة آنية، حتى تحولت إلى قطيعة. ولو قيلت كلمة صادقة في وقتها، لانتهى كثيرٌ من الاحتقان قبل أن يتجذر. وفي هذا المعنى، يبرز قول جبران خليل جبران: “بين ما يُقال وما لا يُقال تضيع معظم المحبة”.

وهنا تقف آفة الكبرياء، لا كقوة، بل كقيدٍ يمنع الحل. فالكبرياء لا يحفظ الكرامة بقدر ما يؤجل الاعتراف، ويعطل التصحيح. وقد أوجز ليو تولستوي ذلك بقوله: “الكبرياء يمنعنا من أن نصبح ما يمكن أن نكونه”.

وفي مقابل هذا التعقيد، تبرز الشفافية كطوق نجاة. فهي ليست مجرد صراحة، بل شجاعة في الوضوح، تقطع الطريق على سوء الفهم، وتغلق أبواب التأويل. وكأنها تجسيد عملي لما قاله كونفوشيوس: “الصراحة أساس الثقة”.

إن التعامل مع الحياة لا ينبغي أن يكون مع “المواقف” بقدر ما هو مع “العقول”. فالعقل الراجح يُخاطَب بالحكمة، والعقل المضطرب يُدار بالحذر، والعقل المحدود يُراعى بقدره. ومن أدرك ذلك، أدرك أن إدارة الإنسان تسبق إدارة الحدث.

وفي المحصلة، فإن خلق المواقف ليس مهارة تُمدح لذاتها، بل مسؤولية تُقاس بقدرة صاحبها على الاحتواء. فإمّا أن تكون صانعًا حكيمًا للمواقف، أو متورطًا فيها. وكما قال ونستون تشرشل: “ثمن العظمة هو المسؤولية”… ومن يصنع الموقف، فقد اختار أن يدفع الثمن.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى